آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

ابتسامة من الأحساء الى الدوحة

فوزي صادق *

«التمر من الحسا والمشلق من البدع»، ربما لم يسمع البعض بهذا المثل القديم جداً، والذي يظهر مدى عمق العلاقة التاريخية الوطيدة لأصول أهل منطقة الخليج العربي، فمعظمهم إن لم نقل جلهم سافروا عبر الماضي العريق الي الحاضر الجميل على حصير واحد صنع من سعف النخيل، فمدينة الدوحة أقرب مدن الخليج جغرافياً وأصولاً لأبناء عمومتهم الأحسائيين، سواء الحضر ام البدو! فاللهجة الأصلية القديمة نفسها تقريباً المستعملة بالمنطقتين سابقاً، وكذلك العادات والتقاليد في الأفراح والأتراح، وحتى أرشيف المطبخ بتنوعه القديم أصله واحد.

المثل الذي ذكرناه آنفاً كان متداولاً عند أهالي الأحساء وخاصة التجار في القرن الثامن عشر الميلادي، فكان من يريد السفر الي الدوحة «البدع سابقاً» بواسطة الجمال، سيتزود بالماء والتمر والأرز الحساوي الأسمر والخبز، فتتحرك القافلة فجراً من ساحة قصر إبراهيم بمدينة الهفوف، وهي محملة بالمسافرين والبضائع وبحماية حراس مدفوع لهم، فينقضي كل النهار بالطريق حتى يتوقفون نهاية المساء للراحة والصلاة، ثم يواصلون المسير حتى ظهر اليوم التالي بفرضة الدوحة «الميناء»، فيطبخون ما أحضروه من أرز حساوي ويؤكل مع التمر والمشلق القطري «السمك المجفف» ويشاركونهم بالغداء أخوتهم التجار القطريون، ثم يمارسون تجارة البيع والشراء بسوق الفرضة مع تجار السفن الراسية بالميناء مثل «البوم والبتيل والسنبوك».

أما قبل عدة عقود مضت، فكانت الشاحنات تسلك نفس الطرق البرية الرملية الوعرة التي سلكها الأجداد بالجمال، ولم تكن معبدة، لذا كانت تلك السيارات قوية التحمل، وكأنها جمل آلي، وكانت تعرف بسيارات اللوري المعروفة ب «الّمك» الأمريكية الصنع، لقدرتها على تحمل وعورة الطرق والأحوال الجوية الصعبة. في البداية كانت تلك السيارات تعمل بالديزل ثم أستخدم بما يعرف بإسم «وصخ غاز»، أما بالنسبة للماء فيتم حمل كمية كافية للرحلة بواسطة «القرب». بالنسبة لمياه الآبار او القنوات التي تقع بين الأحساء والدوحة، فتعرف ب «دًحل» والجمع منها «دحول» وهي أما أبار فترة سقوط الأمطار أو عيون دائمة، وكان السائقون يعرفون مواقعها وكمية الماء التي بها، وكان السفر عبر سيارات «المك» يستغرق مسافة نهار كامل، وما أن يصلوا ميناء الدوحة حتى يطبخون الرز الحساوي ويؤكل مع المشلق كما فعل أجدادهم، وما تبقي في القدر أو ما يسمى ب «الحكوكة» فيؤكل بطريق العودة، وكأنه شاهد على عناق الأرواح الجميلة البسيطة في ذاك الزمن الجميل.

كلنا شعب واحد وخليجنا واحد، فالثوب والبشت والتمر والهريس واللقيمات من أرشيف واحد. فرحم الله الأجداد، وحفظ الأحفاد وأدام على خليجنا نعمة الأمن والأمان.

كاتب و روائي - الدمام