آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 3:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

عبادة الشخصية

فائق حبيب المرهون *

عزيزي القارئ - لن أخوض في داء «عبادة الشخصية أو الفرد» بالتحليل الإجتماعي والنفسي، فهذا له خبراؤه، عملا بمبدأ الإختصاص الذي نؤمن به، ولكننا نعيش الحالة الربانية، التي صنعها الباري جل وعلا في الإنسان، ألا وهي التكريم وتحكيم العقل، فليسمح لي قارئي بتواضع - أن أدخل معه في الجانب السياسي منه.

فعبادة الشخصية هو ببساطة، ذلك المرض العسير والفتاك، الذي يضفي صفة القداسة والتبجيل الزائف، وتغليب الخيال واللامنطق، لأشخاص هم أقرب ما يكونوا إلى الناس العاديين، حتى وإن سخرت لهم مناصب سياسية أو دينية تحت أي ظرف.

و هذا المرض تخلص منه المجتمع الغربي، وعالمه السياسي والديني بتقدم كبير، بينما نحن في الشرق، لا زلنا نعاني من وطأته، ونعيش أسوأ صور استغلال الإنسان لنفسه، تحت ظل العبودية والإنقياد الأعمى لفرد ما، أي فرد كان، بمنطق الأبوة وصورة الموجه أو القائد الذي يأمر فيطاع بدون أي تفكير!

نعتقد بثقة أن الأب الذي يمتلك شخصية طبيعية، حتى وإن شابها بعض التسلط الموروث أو الشدة، فهو - أي الأب يحرص على إعطاء الثقة، والقدرة على اتخاذ القرار لأبنائه فيما بعد، أما حالة الاستبداد فهي تجنح بمن يسير في ركبها، نحو الخنوع والذل ما أمكن!

من بديهيات القول أن المجتمع الغربي، قد عاش قرونا وهو يقدس الكنيسة ورجالها، والتي بدورها مارست فنون الإقصاء والتطرف وشيوع الرأي الواحد، فهل نحن اليوم نختلف عن هذا؟!

كما أن هذا الإنسان الأوروبي، الذي انفجرت بين يديه الثورة الصناعية، قد وقع في تقديس الحاكم السياسي، الذي استغل الدين أحيانا، أو العرق والتاريخ في أحيان أخرى.

فأدولف هتلر «1889 - 1945» لم يتردد كي يحقق أحلام إمبراطوريته الجرمانية، باللعب على فكرة العرق الآري للألمان، وهذا ما تحقق له من شعبية هائلة، حتى وإن كثر الضحايا والمساجين في معتقلاته!

و قس على ذلك بشكل أو آخر، موسوليني «1883 - 1945» في إيطاليا، والجنرال فرانكو «1892 - 1975» في إسبانيا، وستالين «1878 - 1953» في الإتحاد السوفييتي السابق.

لا يكمن أن نغفل الخلل الداخلي في الشعوب، الذي يجعل هؤلاء الجلادين وأمثالهم، يستمرون مراحل طويلة في السيطرة، على الوعي الثقافي للناس، رغم ما يحملوه من النكبات على أوطانهم.

لكن وبكل تأكيد لقد تخلصت أوروبا اليوم من هذا التيه، ومن عبودية الفرد إلى المجتمع المدني، وحكم المؤسسات المنتخبة وليس المعينة، ومن أسباب ذلك التقدم العلمي والحضاري للإنسان فيها، الذي يتعارض مع كونه عبدا لفرد ما، تحت أي سلطة كانت.

أما نحن في العالم الثالث وبعض من آسيا وأمريكا اللاتينية، فقد أسرت شعوبنا في شخصية «القائد الضرورة» و«الزعيم الملهم»، و«زعيم الملة والدين» وما أشبه من تلك المسميات البائدة، تلك الشعوب المقهورة المكسورة، التي نهشها الفقر والتخلف العلمي، وغياب العدالة الإجتماعية والتنمية، وانعدام الديمقراطية والحريات!

إن سقوط شعوبنا المشرقية في شراك هوى وعشق الشخصية، على اختلاف أشكالها وموقعها، أمر معقد، يجلب الجمود والتقوقع، حتى وإن كانت تلك الشخصية المحبوبة "عادلة " أو "صالحة" لا فرق يذكر!

ليعذرني قارئي إن تجنبت ذكر شخصيات سياسية أو دينية في عالم اليوم، فالانتقائية ليست منهجنا، فإما تسليط الضوء عليها بالمجمل، أو تركها لأصحاب الألباب، وهذا ما آثرته عمدا، فثقتي فيكم واسعة، تتسع لأن يحمل تفكير كل واحد منا أنماطا من هذه الشخصيات.

و تلك حكاية أخرى..... دمتم بخير.

معلم
القطيف / أم الحمام