آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 3:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

بناء الشخصية الناجحة «7»

الشيخ حسين المصطفى

قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا.

القاعدة الثانية: حدد أهدافك:

تحدثنا في الأسبوع الماضي عن هذه القاعدة، وملخص ما تقدم: عليك أن تبدأ والنهاية في ذهنك " القيادة الشخصية ".

عندما يُتقن الإنسان معرفةَ ذاته، ويعرف ماذا يكون سيعرف كيف يكون، فينتقل إلى مرحلة السعي إلى الشيء الذي ارتسم في ذهنه، فينقله إلى الواقع تطبيقاً، لا يضع أحداً يرسم له ما يريد، بل هو يرسم لنفسه غاياتها وخطواتها؛ لأنَّ البدايات لا تكون إلا برسم النهايات.

والقصة المحكية بطلها شخص من ملايين الأشخاص في هذه الحياة..

يوجد طفل لا يعرف شيئاً، ألحقه أبواه بالمدرسة فدخلها، ولأنه صغير فهو لا يعرف السبب، وذاكر دروسه لأنَّ جميع من هم في سنِّه يجب أن ينجحوا ويذاكروا دروسهم. وانتقل من سنة لأخرى حتى المرحلة التي تسبق التحاقه بالجامعة. فقالوا له أنَّ مجموع درجاتك يؤهلك للالتحاق بهذه الكلية فالتحق بتلك الكلية وذاكر حتى أنهى دراسته. وقالوا له أنَّ مؤهلك يؤهلك لتعمل في المكان الفلاني، فعمل هناك. بعد ذلك شعر أنه يجب أن يتزوج، فمن يتزوج؟ تزوج فتاة جميلة الشكل وطيبة الخلق، وبعد ذلك أنجب الأطفال فأصبحت كل قضيته في الحياة أن يعمل حتى يتمكن من إحضار النقود اللازمة لتربية الأطفال، وبعد أن قام بتربية الأطفال أصبح عمره خمسون أو ستون سنة فمات. وانتهت القصة.

احذر أن تكون أنت هذا النموذج الذي ترك نفسه في الدنيا بلا هدف وترك الدنيا والظروف لتحركه أينما شاءت.

واحذري - أيضاً - أن تكوني أنتِ هكذا. احذري أن تتزوجي بدون هدف؛ لمجرد أنَّ من ترتبطين به طيب ويملك النقود اللازمة للزواج. ليكن لك هدف من الزواج، ومن أجل تحقيق الهدف لا تتزوجي أيَّ شخص، ولكن تزوجي شخصاً يساعدك على تحقيق الهدف.

تخيلوا لو أنَّ كلَّ شخص منكم له هدف واحد محدد في الحياة، وتحقق لكل واحد منكم هدفه، لتغير وجه الأرض.

في الدول المتقدمة يوجد في المدارس في أول يوم للطفل في المدرسة وأول حصة يحضرها حصة اسمها «حصة تحديد الهدف»، والمطلوب من الطفل الذي لم يبلغ من العمر سوى سبع سنوات أن يحدد هدفه في الحياة، ولأنَّ الطفل مازال صغيراً جداً ولا يفهم ما معنى هذا، فيكتب أشياء مبعثرة ليس لها معنى، ولكن مع مرور الوقت وتكرار الحصة أسبوعياً بعد ثلاث لأربع أشهر، يبدأ الطفل يحدد ويكتب أشياء مفهومة فيكتب على سبيل المثال " أريد أن أصبح أفضل مهندس كمبيوتر في العالم "...

ثم ماذا بعد ذلك؟

يحضرون له الكمبيوتر، ويتابعوه، ويقدموا تقريراً للأب والأم قبل بداية الإجازة الصيفية لينصحوهم أن يدربوا طفلهم على الكمبيوتر. ومع بداية السنة التي تليها، ومع أول حصة في اليوم الدراسي الأول، يسألوا الطفل: ماذا فعلت نحو تحقيق هدفك؟ تخيلوا هذا الطفل بعد 6 سنوات كيف سيكون حاله؟!

التحذيرات الثلاثة:

أولاً: احذر من السلبية:

تكلمنا عن هذه النقطة في الأسبوع الماضي ووقفنا على «الحذر من الألقاب السلبية» وهي إحدى الصور القبيحة للتحامل.

قد تستطيع أن تتعايش مع لقب إذا أطلق عليك.. ولكن الخطر الحقيقي: عندما تبدأ بتصديق ذلك اللقب، فإنَّ اللقب يشبه النموذج الذي تسعى إليه لا شعورياً «ما تراه تحصل عليه»، فمن يطلق على نفسه لقب الحكيم سيتجه إلى الحكمة شيئا ًفشيئاً، أما إذا قبل لقب المغفل فسيصدق عليه ذلك مع الوقت.

إذن تذكر.. أنك لست لقبك.

يحكي خبير التنمية البشرية الدكتور إبراهيم الفقي «رحمه الله»: عندما كان في دورة المدرب المحترف المعتمد، التي أقيمت في الأردن، سأله أحد المتدربين فقال: " هل يمكنني فعلاً أن أكون مدرباً مثلك يا دكتور إبراهيم؟ "، فقلت له: " بالطبع بل وأفضل إن أردت ذلك "، فقال: " مشكلتي هي أنني إنسان خجول جداً، ويقال عني إن شخصيتي ضعيفة، فكيف لي أن أدرب الآخرين؟ ".

فقلت له: " هل تحب عندما يكلمك أحد أن تسمعه؟ " فقال: " نعم "، فقلت له: " هل تعرف أحدًا يتكلم بدون انقطاع ولو كلَّمه أحد فهو يقاطعه، ولا يترك المجال لأحد أن يتكلم "، فضحك وقال: " أكيد أعرف الكثيرين بل يبدو لي أن كل الناس هكذا "، فقلت له: " أما أنت فقد وهبك الله سبحانه وتعالى القدرة على السمع والإنصات، وهذه القوة التي تتمتع أنت بها ليست موجودة عند معظم الناس، ومن صفات المدرب المحترف أن يستمع وينصت لكي يفهم ويقيم الأمور قبل أن يتكلم ".

نظر إليّ الشاب في دهشة وقال: " لم أعرف أنَّ ما عندي ليس خجلاً ولكنه قوة "، فقلت: " بل هو قوة يتمناها الناس لأنَّ بعض المشاكل تأتي من التسرع في الكلام "، فقال لي ضاحكاً: " أنا قررت أن أكون أفضل منك يا دكتور إبراهيم ".

لقد استخدم الدكتور الفقي ما يسمى بـ "إعادة التعريف"، فالشخص الذي يفكر في نفسه أنه خجول، كانت النتيجة تعريفه لنفسه هو شعوره بأنه أقل من الآخرين مما سبب له الاعتقاد بأنه ضعيف، أما عندما تغير التعريف وأصبح الاستماع قوة جعلته يشعر بالرضا عن نفسه، فزاد تقديره الذاتي وثقته في نفسه، وبذلك تحول التعريف من الضعف إلى القوة.

ثانياً: أعراض " انتهى الأمر ":

عندما تخطئ أو تتعثر أو تذنب، مرة ومرتين أو أكثر من ذلك.. تشعر أحياناً بالإحباط والفزع، وتقول: انتهى الأمر لقد فشلت، إنني بذلت ما بوسعي ولست أبالي!.

إذا وصلت إلى هذه النقطة، فأنت في بداية برنامج التدمير الذاتي، الذي يبدأ بالاستسلام، ولا ينتهي إلا بالفشل، الأمر لم ينتهِ أبداً، وفي كل مرة تخطئ فيها فلا بد أنَّ هناك شيء تتعلمه من ذلك، فالتجربة الخاطئة لا يمكن أن تكون فشلاً ما دامت تعطينا خبرة إضافية تساعدنا على بلوغ النجاح والفوز، وهذا ما نستفيده من الرواية التالية: " كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ".

ثالثاً: الهدف الخاطئ:

ليس المهم أن تصعد السلم، بل الأهم أن يكون على الحائط الصحيح.

إنَّ عدم وجود هدف واضح هي مشكلة في حد ذاتها، وأن تمتلك هدفاً خاطئاً هي مشكلة أكبر.

فهناك الأهداف الحقيقية، وهي كل ما يرتبط برضى الله وفائدة المجتمع «مع تحقيق فوائد مادية لنا». ومنها ما يحقق لنا السعادة والرضا والانسجام والتوازن.

وهناك - في المقابل - توجد أهداف وهمية؛ كالمال والجاه والشهرة وإشباع الرغبات والأهواء..

كثير منا - عندما نستمع إلى تجربتهم - يقول: " عندما وصلت إلى ما أريد من المال، وجدت أنني خسرت نفسي وزوجتي وأسرتي ". أو يقول: " عندما وصلت إلى المال لم أعد قادراً على الاستمتاع به ".

نعم، لقد سعى نحو الجاه والشهرة - وبكل ما يستطيع من جهد - إلى الحد الذي جعله ينسى كل شيءحتى نفسه ومبادئه. ولا ننسى ما روي عن عيسى : " لَا يُفِيدُكَ أَنْ تَرْبَحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَتَخسَرَ نَفْسَكَ ".

المفاتيح الذهبية:

علينا أن نسأل أنفسنا: هل فعلاً قررنا أن نمشي بهذا الاتجاه الذي نحن فيه؟ وهل ينسجم ذلك حقاً مع إمكانياتنا وقابلياتنا؟ وهل ينسجم ذلك مع رضى الله؟

الهدف غير المكتوبليس أفضل من أمنية..

1 - لا تقل: " سأحاول "، بل قل: " سوف أفعل إنشاء الله "، ليس هناك ما يسمى بالمحاولة. وهل تقرض مالاً لرجل يقول لك: " سوف أحاول أن أردها "!!؟

2 - استفد من اللحظات الهامة: فإنها تحتوي على الطاقة والقوة الدافعة. مثل «بداية عام جديد، شهر رمضان، سفر، تجربة تغيير مسار، إنهاء علاقة، وظيفة جديدة، علاقة جديدة، فرصة سانحة، موسم جيد، الزواج، الطلاق، الموت، النصر، يوم جديد».

3 - كن على ثقة: أنَّ اللحظات الحرجة «أزمة - مثلاً»، وما فيها من انفعال سوف تمر. وما عليك إلا ضبط نفسك، ومتابعة تنفيذ القرارات الصائبة، واحذر أن تتخذ قراراً انفعالياً. أو تقضيعلى قرار بشكل انفعالي كنتَ قد اتخذته وأنت بكامل إرادتك ووعيك.

4 - ارتبط بالآخرين. نعم، سوف تنجز أكثر وبشكل أفضلإذا ارتبطت بالآخرين، واستعرت القوة منهم «فإنَّ الله مع الجماعة»، فكل واحد يشجع الآخر، ويفيده، ويحفزه، ويحميه، مما يؤدّي إلى تكامل الجميع وبالتالي قوة للجميع.

5 - استشرمن يعجبك وعيه وخبرته ودينه، اطلب النصيحة لتصبح متميزاً ومبدعاً، يقول الإمام علي : " مَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا "، ارتبط بالأصدقاء والأخوة في الله. وكلما زادت حبال الارتباط «في الله» كلما زادت فرصتك في النجاح.

إنَّ معنى الخلافة في القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةًأنَّ كلَّ شيء يستطيع العقل البشري تصوره والإيمان بهفإنَّ الإرادة البشرية قادرة على تحقيقه، وبإذن الله.

إذن: حدد وجهتك وهدفك. فليس المهم أن تمشي بسرعة أكبر؛ لأنك قد تصل أسرع، ولكن إلى الهدف الخطأ.

مهارات مقترحة:

1. كن أكثر تنظيماً وتخطيطاً «ابدأ بالتخطيط ليوم ثم لأسبوع ثم لشهر وهكذا».

2. زد ثقتك بنفسك عند التحدث أمام الآخرين.

3. زد مهاراتك في الكتابة «ابدأ بكتابة أفكارك البسيطة ثم زدها عمقاً».

4. اقترح مهارات تحتاجها.

5. تعلم مهارات جديدة.

6. اسأل نفسك سؤالاً، ولماذا، وما هي النواقض، ثم عالجها.

7. حدد لقباً سلبياً تستحقه، ثم فكر كيف تستطيع معالجته.

المهم أن تتذكر: «حدِّد أهدافك. اكتب ماستفعل. ثم افعل ما كتبت. وتوكل على الله».

لو أخذنا مكبراً صوتياً ونزلنا للشوارع، وسألنا الناس هذا السؤال البديهي: لماذا خلقنا الله؟!

شخص سيقول: " لحكمة يعلمها الله ".

وشخص آخر سيقول: " لا أعلم ".

وشخص ثالث يقول: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " من باب التلقين فقط.

لا تظن هذا السؤال ساذجا، بل إنَّ العلماء تعثروا في الإجابة:

أفلاطون يجيب عن السؤال قائلاً: " إنَّ الله أراد أن يخلق الكون فخلقه ولكنه نسي هذا الكون، ولذلك توجد هذه الصراعات بين البشر! ولكن الله تبارك وتعالى يرد فيقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا.

وكارل ماركس يجيب: " إنَّ الله خلق الكون لهواً وعبثاً "، فيرد الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ.

أما إيليا أبو ماضي الشاعر يجيب في قصيدته التي سماها الطلاسم ويقول:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت.

ولقد أبصرت أمامي طريقاً فمشيت.

وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت.

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري.

وهذه ليست إجابة هذا الشاعر وحده ولكن هي ما يراود الكثير من الناس بداخلهم. فالجميع في حيرة حتى مع عظم قدر أسمائهم وشهرتهم!

ولكن الإسلام يجيب عن هذا السؤال بشكل مقنع وواضح للغاية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. فوجودنا في الأرض ليس له إلا هدف واحد ألا وهو العبادة. ومعنى العبادة هنا هو ممارسة الحياة بشكل عادي جداً شرط أن يكون محور حياتك هو إرضاء الله تعالى، وتقوم بعاداتك اليومية من عمل وزواج وممارسة الرياضة، ولكن بنية إرضاء الله تعالى. فالنية تحول العادات إلى عبادات.

فمثلاً:

أمارس الرياضة حتى أخرج ما بي من طاقة قد تدفعني للمعصية.

أمارس الرياضة حتى يكون جسدي معد لنصرة الإسلام.

أمارس الرياضة بنية أنَّ المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

وبذلك تصبح كل دقيقة أمارس فيها الرياضة هي عبادة.

مثال آخر: أذاكر دروسي لأفيد الإسلام بعلمي. بهذا تتحول كل دقيقة أمسك فيها بالورقة والقلم إلى حسنات وعبادة.

ولذلك يجب أن تكون أهدافنا مرجعها الأساسي ومحورها هو خدمة الإسلام.

أيها الأحبة..

حددوا أهدافكم، وما من أحد يحلم بشيء، ويعيش من أجله، إلا ويحققه بإذن الله..