آخر تحديث: 8 / 8 / 2020م - 8:32 م  بتوقيت مكة المكرمة

«ثقافة التوحش المعاصر تقتل ضياء»

كميل آل جميع

قبل عدة أيام عادت بي ذاكرتي طويلة الأجل إلى أيام الطفولة، وراحت تنبش في خباياها حيث الذكريات الجميلة الممزوجة ببراءة الطفولة وعفويتها، كنا نلعب سوياً أولادًا وبناتًا ولم يختلج يومًا في أذهاننا من أيّ دين أتينا وإلى أيّ طائفة ننتمي، أو هل نتشارك في هوية ما أم لا، لم يكن ذلك هاجساً يحول دون تمازجنا وانصهارنا مع بعضنا البعض في إطار اللحمة الإنسانية التي جمعتنا وملأت ساحاتنا بالدفء والنشاط.

مرت الأيام والأعوام، وتحولنا من أطفالٍ أبرياء منسجمين ورحماء على بعضهم، إلى كائنات بشرية مشبعةٍ بالأفكار والقيم والإيدولوجيات؛ فصار كلُّ منّا يعبّر عن كينونته وهويته الخاصة عبر منظومة دقيقة من المتبنيات والقناعات، والتي لم تكن بالضرورة تدور في نطاق الخير والصلاح، فلربما تكتسي تلك الأفكار والقناعات بالسوداوية وتتحول إلى مرجعية للسلوك ورؤية للعالم والمثل التي يجب تحقيقها ولو مرّ الطريق إليها بإفساد البشرية وتحويلها إلى ساحة أوباشٍ يفترسُ فيها بعضٌ بعضًا.

لاشك أن للبيئة الحاضنة - الأسرة والمجتمع والمدرسة - الدور الأبرز في تمكين مثل هذه الأفكار وتعزيزها، ولا نغفل أيضاً دور الإعلام المسيّس والمؤدلج الذي لن أبالغ في القول بأنه يستولي على حصة الأسد في توجيه الرأي العام وتحوير الحقائق وفقاً لأجندات محددةٍ له. ما نراه اليوم من مشاهد مروعة للقتل بأبشع صوره تنفّذ من قبل وحوش هنا أو هناك، أو ما نسمعه عن شُبان خسروا حياتهم نتيجةً لصراعات طائفية وتنفيذاً لأجندات دولية بذريعة الدفاع عن الدين أو المذهب، هم أنفسهم من كانوا في يوم من الأيام أطفالاً متمازجين معاً من دون اكتراث للونٍ أو عرقٍ أو دين أو طائفة أو ما شاكل. إنّ ذلك الخطيب الذي يزعم أنه يمثل ظل الله في أرضه ويرتقي المنبر محرضًا وتعلو هتافاته مطالبًا بتمزيق شمل هذه الطائفة أو تلك، وتخليص الناس من شرورها، كان يومًا ما أحد أولئك الفتية الأبرياء.

الأمر ذاته يحصل حتى في البيئات المتقدمة والمتحضرة، والتي نعتقد بأنها أمثولة لثقافة التسامح والتعايش، وأنها تبني أواصرها الاجتماعية وفقاً لمبدأيِّ سيادة القانون والمواطنة كحاكمين في العلاقة بين الفرد والآخر، لكن لسوء الحظ - وعلى الرغم من شيوع مثل هذه المظاهر المدنية وترسخها في أوساط المجتمع - فإنّ دور الإعلام السلبي في التحريض على جماعة معينة، وبث التفاصيل المغلوطة حيال الدين الإسلامي أودى بحياة الشاب ضياء وزوجته وأختها بمدينة «تشابل هل» الواقعة في ولاية نورث كارلونيا - بالولايات المتحدة الأمريكية - في مشهد غير مسبوق لحادثة مؤلمة تقشعر لها الأبدان؛ فالقاتل لم يُمهِل هؤلاء الأبرياء لحظة لمناقشتهم ومعرفة ماهية معتقداتهم، بل حكم عليهم بالتطرف والإرهاب إشباعًا لعنصريته وأفكاره السقيمة.

نحن اليوم بأمسِّ الحاجة لمراجعة ذواتنا وتصحيح مساراتنا في الفكر والعقيدة والمبدأ، نحتاج إلى التجديد والإصلاح، إصلاح ما تكلس في بواطن أفكارنا وعقولنا إزاء تعاملاتنا مع الآخر مهما كنّا مختلفين معهُ. الإعلام والمنابر الدينية ورجال الدين والسَاسَة وكلُّ من له صلة ببناء المجتمع والشأن العام ينبغي التصدي له حين يتحول إلى محرض يزيف الحقائق ويدعو لنسف الآخر ونفيه، وعليه فإن البيئة الحاضنة التي نشأ ومازال ينشأ في ظلها الكثيرون. والدين والإعلام هما من أهم العوامل التي إذا لم نُحسِن استغلالها واستثمارها في الاتجاه الصحيح فلن نتمكن من الانعتاق عن حالة الصراع والتناحر فيما بيننا.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
حسين ال يوسف
[ القطيف ]: 8 / 3 / 2015م - 3:20 م
ان الجرح لن يندمل مادام من يحرض على كره الانسانية وان من يبث ثقافة التوحش هم من يتلبسوا بأنهم الموكلين من قبل الدين وهم فقط اصحاب الدين وغيرهم بعيد وهم القريبين ولا يعلموا بان الله هو المتصرف والرحيم بعبادة جميعهم وحسبي الله ونعم الوكيل وان القنوات التي تبث من امريكا ولندن أيضاً هي البارود الذي يدفع الحمقى على الاشتعال باسم قول الحقيقة ونحن على حق وغيرنا ليس على الحقيقة وبهذا فانهم يرتكبون اكبر إثم وجريمتهم اكبر لأنهم يتكلمون باسم الدين ونحن فقط على الحق وغيرنا على باطل لوجود فوارق بسيطة بين المسلمين ويأخذوا مايفرق ويتركوا تلك الحصيلة التي اوصلات المسلمين الى فتح بيت المقدس بجمع من اصحاب الرسول في عهد ليس ببعيد من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وان التوحش الذي طهر في وقت الخوارج بلذبح .