آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 11:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإمام الكاظم (ع) ترجمانٌ متجددٌ لحقوق الإنسان

وجدي آل مبارك

عندما يدقق الإنسان بعين مجردةٍ بين فئات المجتمع البشري بعيداً عن الميول والتبعية باحثاً عن المكنونية الحقيقية لخلق الإنسان ويعكس بفكره ومعرفته المستنيرة مستوى إنسانيته وكرامته واحترامه لغيره من البشر، لابد أن تقع عيناك على نماذج بشرية متنوعة حملت لواء علمٍ وفكرٍ ومعرفةٍ أنارت دروب الإنسانية بأفكارها ورؤيتها الدالة على سُموِها ورِفعتها، لاسيما في زمن الحداثة الذي نعيشه والتي نحتاج فيه إلى نماذج بشرية تحمل شعار المطالبة بحقوق البشر وحفظ كرامتهم، وتسعى بشتى الوسائل والأفعال إيصال المفاهيم الحقوقية والإنسانية لعموم المجتمعات بكل أطيافهم وانتماءاتهم.

لكن سرعان ماتقع عيناك على رونق إنساني فريد من نوعه تكاملت فيهم جوانب العلم والمعرفة والحقوق والواجبات وجسدوا المعنى الإنساني في سلوكهم وأخلاقهم، بل يغفلوا عن أي رافد لحياة البشر إلا أشبعوه بالعمل والتطبيق قبل الكلام والتنظير، إنهم صفوة بني البشر النبي محمد وأهل بيته صل الله عليه وآله، المصطفين من بين كل الخلائق الذين لو بحثت بين البشر عن مثال لأحدهم لم ولن تجد نظير له.

ومن بين هؤلاء الصفوة إمام نحيل الجسم تهزُ الريح القوية قِوامه ومِشيته، لكنه قوي الصلابة في صنع المستحيل، حيث صنع بصبره وحلمه الأمل المتجدد في نفوس البشر لمقارعة الظلمِ والظالمين سَمِيِّ نبي الله موسى بن عمران الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام.

إن السياسة الجائرة لبني العباس أرادت تكبيل حرية إنسان لمجرد أنه عبر عن رأيه وطالب بحقوق البشر فضلاً عن مطالبته بحقه، وأمرت بإيداعه السجن، وسرعان ما أظهرت تلك السياسة تجردها من مصداقيتها بإصرارها على سجنه سنة تتلو سنة ونقِله من سجن إلى سجن حتى طال به الأمد عشرات السنين في غياهب السجون وظُلم المطامير.

ولم يقف سلب الحقوق لبني البشر عند هذا الحد بل تعداه إلى أسوء من ذلك، حيث قُيد السجين المظلوم بسلاسل ثِقال في يديه ورجليه حدت من حركته وقيامه وأكلت من لحمه وعظامه، وما أقبح حال الاضطهاد والظلم والاجتراء على مبادئ الإنسانية في صورة سجينٍ يُقتل بِسُمٍ نقيع لازالت السلاسل تنخر في عظام يديه ورجليه!!.

وأبشع صورة في هذه المأساة الإنسانية حينما وطأت تلك السياسة الممقوتة على كرامة الإنسان بزهق واغتصاب روحه عنوة، ثم عمدت لتعليق جثمانه على لوح خشبي لُف بعباءة وصوت قعقعة الحديد لازال يُسمع من رجليه، وجاء رسم الصورة الدامية لكل قلب رأى أو تصور هذا المنظر الإنساني المرير بعد أن رُميت جنازته على جسرٍ من أجل الفرجة والسخرية!!، وكل ذلك في قانون وسياسة سلاطين أدعوا أنهم حملة مبادئ الإسلام ورافعي مبادئه الإنسانية.

لذلك لم تكن ظلامة الإمام موسى بن جعفر إلا عنوان وصورة صارخة ومتجددة للمناداة بحفظ حقوق الإنسان المنتهكة والمسلوبة، فكم في إرجاء عالمنا الحالي من سجناء سجنوا ظلماً؟ لم يُعطوا حق المرافعة والدفاع، وظلوا حبيسي السجون يرتجون الأمل والفرج، فسلبُ حقوق أولئك ترجمتها ظلامة الإمام المغيب في قعر السجون وظُلم المطامير موسى بن جعفر .

فحرِي بمن يرفع لواء المطالبة بحقوق الإنسان في هذا الزمن أن يقرأ في سيرة هذا الإمام المظلوم ليدرك تماماً ويقيناً أن ابن جعفر ترجم بصبره وسلبِ حقه أحقية الإنسان كإنسان لاسيما حق السجين المتهم بلا جرم ولا جريرة.

إن المتبحر في قراءة حياة هذا الإنسان العظيم الذي صنعِ المستحيلات في سجنه يخلص إلى نتيجة مفادها: إن موسى بن جعفر ترجمان متجدد لحقوق الإنسان المسلوبة، يُتعلم منه كيف يعيش الإنسان حراً كريماً يُعطى بموجبها حقوقه ويعرف من خلالها واجباته وحدوده؟.

ويقيناً نقول: أن من يريد أن يستشعر معنى الكرامة والإنسانية فيمن سُلِب منه حق من حقوقه أو أهينت كرامته، فليجرب أن يطأ برجله على جسرٍ خالدٍ أسسهُ موسى ابن جعفر ليستلهم من صبره وروحه القوية شيئاً من ذلك الفيض اللا محدود من الكرامة والعزة والإنسانية التي ظلت وستظل صورة متجددة ونبراساً يستضاء به في دروب بني البشر حتى قيام الساعة.

نعم، يابن جعفر: أنك ترجمان لا ولن يتكرر في قاموس الحياة البشرية، والعجيب في ترجمانك وقانونك الصامت في سر سجدتك الطويلة التي حارت العقول في معرفة أسرارها، والأعجب من كل ذلك أن ترجمانك لازال يتجدد في كل يوم من ذكرى استشهادك في صورة فريدة من نوعها يُريد أعداء الإنسانية طمسها وتغييبها عن الوجود، لكن إرادة الله وصبرك أبت أن تبق صورتك ناصعة لا يشوبها تشويه، معلناً للعالم بأسره أن إرادة الخالق فوق أرادة البشر، التي سنت لكل إنسان عيشاً كريماً وعزيزاً كما أراده الله عز وجل.