آخر تحديث: 22 / 1 / 2020م - 12:59 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«3» مكانة الفلسفة

الدكتور توفيق السيف *

ماذا عن الدرس الفلسفي، ارى تناقضا في التعاطي معه، فهو مبجل عند بعض العلماء ومنبوذ عند البعض الآخر؟.

يؤسفني القول ان النقاشات الفلسفية الجديدة لازالت محدودة. معظم مدارس العلم الديني لا تهتم بدراسة الفلسفة. وتلك التي تهتم - كما هو الحال في ايران مثلا - يقتصر اهتمامها في الغالب على التراث الفلسفي اليوناني، الذي دخلها منذ زمن بعيد وحظي بالكثير من الشروحات والنقاشات، واعيد انتاج الكثير من قضاياه ضمن النسيج الثقافي الاسلامي. زبدة القول ان المناهج الفلسفية الحديثة لازالت محدودة الانتشار، لكن ثمة مؤشرات على انها تتسع بالتدريج. كمثل على هذا فان كتاب ”مفهوم النص“ للمرحوم نصر حامد ابو زيد «الذي منع في معظم الدول العربية»، ترجم وطبع عدة مرات في ايران، وقد اطلعت على طبعته الرابعة حوالي العام 2005. كما ان كثيرا من كتب د. عبد الكريم سروش ود. محمد مجتهد شبستري طبعت مرات عديدة وترجمت إلى اللغة العربية. وكذا كتب المرحوم محمد اركون وحسن حنفي، فضلا عن طائفة من الفلاسفة الشباب، الذين يظهرون كفاءة ملحوظة في معالجة القضايا الفلسفية الجديدة. هذا يشير إلى ان الطروحات الفلسفية الجديدة تحظى باقبال متزايد بين المشتغلين بالفكر والمهتمين بالدراسات الاسلامية. لكن علينا ان ننتظر بعض الوقت، كي نكتشف مدى تاثيرها في المسار العام للدراسات الدينية، سيما في مجامع العلم الشرعي الرئيسية.

عدا البحوث الفلسفية، لاحظت ايضا تزايد الاهتمام بعلم الاجتماع بين المشتغلين بالعلوم الدينية. تساعد البحوث الاجتماعية على فهم افضل لمبررات السلوك الجمعي وبواعثه، وبالتالي دور الافكار في توجيه هذا السلوك. وهو من المجالات الهامة التي ينبغي استيعابها بالتوازي مع التفكير في النظريات الدينية.

حين أقرأ لبعض الفلاسفة، أراهم يشرقون ويغربون، ويتحدثون في قضايا بعيدة جدا عن حياتنا اليومية. لكني اقرأ أيضا لكتاب يقولون ان الفلسفة هي أم العلوم وانها ضرورية لتقدم المعرفة. فهل هناك فلسفة ضرورية واخرى غير ضرورية؟

يذكرني سؤالك هذا بكلام كنا نتداوله في ماضي الأيام، وهو في الاصل قول لأحد أعاظم العلماء وخلاصته ان كل بحث لا ينبني عليه عمل فهو قول زائد. وأذكر تعليقا للمرحوم الشيخ محمد جواد مغنية في ذكرياته التي سجلها عن حياته في النجف الاشرف، خلاصته ان الدراسة في الحوزة العلمية تندرج تحت وصف العلم للعلم، وانهم لا يهتمون كثيرا بتطبيقات العلوم التي يدرسونها.

هناك ميل عام الى التقنيات، اي خلاصات العلوم القابلة للتطبيق المباشر على وقائع حياتية. تستهدف التقنيات تقديم اجوبة نهائية عن قضايا واسئلة محددة. اما العلم فهدفه مختلف، ويتلخص في توسيع الافاق وكشفها، وفتح ابواب جديدة لعمل العقل. ولهذا فهو لا يقدم أجوبة بل يثير المزيد من الاسئلة. وقد شرحت في مكان آخر شيئا من نظرية الفيلسوف المعاصر كارل بوبر، وخلاصتها ان البحث العلمي لا يقدم حلولا حقيقية «اي نهائية» للمعضلات، بل يقترح احتمالات جديدة، تسمح باعادة التفكير في المسألة من زوايا مختلفة. بعبارة اخرى فان البحث العلمي يعيد صياغة السؤال او يقترح سؤالا جديدا، بناء على ما يظهره من احتمالات لم تظهر قبلئذ.

اظن ان هذا القدر من الشرح يوضح مهمة الفلسفة وطبيعة الدرس الفلسفي. فغرضه ليس تقديم اجوبة بقدر تفصيح الاسئلة، وفتح آفاق العقل وتوسعة مجالات البحث والتفكير أمامه. لهذا السبب قيل ان الفلسفة هي أم العلوم. لأن تطور العلوم ثمرة لاتساع التفكير العلمي والنشاط العقلي. الفلسفة تقدم المنهج وتمهد الطريق لجعل التفكير ادق في الاستهداف وأبعد عن الفوضى والشتات.

لأن الفلسفة غير معنية بتقديم الأجوبة، فهي بالضرورة غير مرتبطة بالقضايا الحياتية التي يواجهها الناس في يومياتهم. ولهذا يراها الناس بعيدة عن مجالات انشغالهم وهمومهم. وهذا صحيح. واقع الأمر ان النقاش الفلسفي شغل النخبة من أهل العلم. وأذكر اني رغبت يوما في الانضمام الى درس يومي في المقدمات الفلسفية للعقائد، كان يلقيه احد العلماء في حي الامين بدمشق، ولا أذكر اسمه الآن، لكن لعله المرحوم الشيخ محمد باقر حكمت. فحضرت وقت الدرس، وكان ذلك في العام 1983 او حواليه. فأخذني الشيخ الى جانبه ونصحني بعدم الانضمام الى الدرس ”لاننا ندرس كفريات“ كما قال. وأشار الى صغر سني يومئذ وعدم قدرتي على الاستمرار فترة طويلة.

زبدة القول ان الفلسفة ضرورية جدا، لكنها ليست معنية بتقديم اجوبة على اسئلة الحياة اليومية، فهي تبحث في القضايا الكلية المتعلقة بالوجود والكون والعقل. ودروها هو تنشيط وتحفيز الفكر وليس ايصاله الى نتائج محددة.

هل يمكن القول - بناء على الجواب السابق - ان الفلسفة ليس لها دور في الثقافة العامة، أو انها غير مفيدة لعامة الناس؟.

هذا استنتاج مشكل. يجب التمييز بين الاشتغال بالبحث الفلسفي، وبين التفكير العلمي والعقل النقدي الذي هو ثمرة من ثمرات الفلسفة. الفلسفة مثل كل العلوم والمعارف الاخرى ومثل الفنون والآداب والاخلاقيات، ترى جانبها العميق عند النخبة. لكنها لا تبقى محصورة عندهم. فهي تنتشر بصور ومستويات مختلفة الى بقية الشرائح الاجتماعية، بواسطة المعلم في المدرسة والمتحدث او الكاتب في وسائل الاعلام، ومن خلال النقاشات العامة التي يشارك فيها أهل العلم. كمثال على هذا نلاحظ ان بعض المدن والقرى في بلدنا تتمايز عن غيرها في عدد ونوعية الادباء والشعراء وأهل العلم والفنون المختلفة، وفي النشاطات الثقافية والانتاج الفني. بل نلاحظ ان بعض العائلات تتمايز عن غيرها بعدد العلماء والفنانين من ابنائها. نلاحظ ايضا ان جامعات معينة مشهورة بجودة المستوى العلمي لخريجيها في حقول معينة، وغيرها مشهور في حقول أخرى. فهذا وذاك هو ثمرة الاختلاط بين نخبة العارفين والعامة، سواء كانوا طلبة او اناسا عاديين. يتعلم الناس فنون التفكير والنقد من القراءة والنقاش والاستماع ومخالطة العلماء. ولهذا نقول ان بعض المجتمعات فيها حياة علمية او ثقافية نشطة، بمعنى ان عددا كبيرا من عامة الناس يشاركون في نشاطات يومية تتعلق بالعلم او تؤدي الى نشر العلم.

يؤدي انتشار العلم والفلسفة الى تعميق الثقافة العامة، واخراجها من حالة البساطة والانطباعية الى حالة التركيب والتعقيد. وينعكس هذا على تفكير الافراد في أمورهم العادية ورؤيتهم للحياة والعالم واهتماماتهم. ونتيجة لهذا يرتفع مستوى التعليم والنقاش العام، ويميل الافراد الى التفكير العميق في الاشياء والاهتمام بالاستدلال والربط المنطقي بين المقدمات والنتائج، بدل اتخاذ مواقف سريعة او انطباعية او انفعالية.

ليس من الصدف ان يكون المجتمع الالماني رائدا في ابتكار التقنيات الجديدة، سيما خلال النصف الاول من القرن العشرين. كانت ألمانيا في تلك الحقبة وقبلها موطن الفلسفة، فأصبحت - تبعا لهذا - موطن الفكر والعلم، واليها يرجع عدد ملحوظ من ابرز العلماء الذين عرفهم العالم الحديث مثل اينشتاين، كارل ماركس، ايمانويل كانت، ماكس فيبر.. الخ.

زبدة القول ان كل مجتمع محتاج الى الفلسفة، لأنه يحتاج الى التفكير العلمي. البحث الفلسفي قد يكون شغل النخبة لكن ثماره وفوائدة سوف لن تبقى محصورة هنا، فهي تنتشر في سياق التبادلات الاجتماعية العادية، فتغني الثقافة والتعليم والتفكير الفردي والجمعي.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.