آخر تحديث: 20 / 6 / 2019م - 3:42 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثورة اجتماعية «09» ليلة الهرير

حسين نوح المشامع

قال تعالى «ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا»

الكهف 51 - وقال الإمام علي : «لا أداهن في ديني، ولا أعطي الدنية في أمري»

عدت للاجتماع من جديد مع ابنتي الحبيبة - لمناقشة الدور الاجتماعي لثورة الإمام الحسين . وكان اجتماعنا بعد اجتيازها اختبار نصف السنة بنجاح. واجتمعنا بعد عودتها لمواصلة الدراسة، بعد توقف دام أسبوعا. وكما اعتدنا إجراء نقاشنا في السيارة خلال فترتي الذهاب والإياب إلى ومن المدرسة.

في يوم اجتماعنا نزل علينا ضباب كثيف، أدخلنا تحت عتمة شديدة كأنها شلال ماء شديد، لم يمكننا من رؤية أكثر من عدة أمتار حولنا، مما جعل السيارة تتحرك ببطئ كما السلحفاة، مما أخر وصولنا إلى المدرسة، فساعدنا ذلك على استغلال تلك الفرصة أحسن استغلال.

انشغال ابنتي باختباراتها وإجازتها، أنساها موضوعنا الذي انهينا به جلستنا السابقة، فطلبت بأدب: أرجو يا والدي تنبيه ذاكرتي إلى أين وقفنا في حلقتنا السابقة، لأتمكن من ربط ما مضى من الحلقات بما سيأتي من بحثنا.

- اسمعي يا ابنتي: انتهى بحثنا السابق مع انهزام أصحاب الجمل بعد عقره، وقتل طلحة من قبل احد أفراد جيشه، وقتل الزبير من قبل عابر سبيل - بعد أن ذكر الإمام الزبير بما حدثهما به رسول الله ﷺ أيام حياته وقبل رحيله للرفيق الأعلى قائلا: «لقاتلن عليا وأنت له ظالم» - وبعد أن اعتزل الحرب وتنحى عن مواقع القتال مصداقا لقول رسول الله ﷺ: «بشر قاتل ابن صفية بالنار». وبعد أن كثر القتلى بين طرفي النزاع دون طائل جنيه أصحاب الجمل.

- عندها تساءلت ابنتي وهي تحاول وضع السؤال في صيغة منطقية: ألا تراك يا والدي ابتعدت مرة أخرى عن دور الحسين وعن ثورته الاجتماعية التي قام بها، لينقذ الأمة الإسلامية من الغمة، والذي هو موضوع نقاشنا في الحلقات السابقة؟!

- لم ابتعد يا ابنتي العزيزة كثيرا عن الحسين وعن ثورته الاجتماعية. أولا: لان الحسين كان موجودا ومشاركا إلى جانب والده في كل هذه الأحداث. ثانيا: إن هذه الأحداث هي مقدمة لنهضته وثورته عندما يحين حينه. ثالثا: وجود والده أمير المؤمنين وهو الإمام المفترض الطاعة، يجعله إماما قاعدا غير مسكا بزمام الأمور.

- هزت رأسها دلالة على فهمها للدرس، ثم عادت لتسأل: ماذا فعل من بقي على قيد الحياة من جيش طلحة والزبير أو كما يقال أصحاب الجمل؟

- بعض من بقي منهم على قيد الحياة التحق ببني أمية في الشام، ليكملوا مشوار المؤامرات، وانتهاز الفرصة المؤاتية للانقضاض على حكومة الدولة الإسلامية من جديد.

- ورجعت ابنتي لتسأل: ماذا حدث بعد ذلك، هل توقفت الحروب وهدأت النفوس، أم إنها استعدت لجولة قادمة؟!

- في الواقع استعد الإمام علي لإنهاء ما بدأه من تصحيح للأوضاع السابقة، والوفاء بما عاهد عليه المسلمين عند قبوله الحكم والخلافة، من إقصاء كل من ساهم وتسبب في المحنة التي ابتلي بها الخليفة عثمان بن عفان، وانتهت بقتله في أبشع صورة.

- هنا تساءلت ابنتي مرة أخرى وهي متعجبة: وهل بقيت ولاية أو ولايات لم يغير واليها؟

- نعم يا ابنتي: بقيت ولاية البصرة التي كان يحكمها أبو موسى الأشعري، وولاية الشام التي كان يحكمها الأمويون.

- عندها تلفتت ابنتي يمنة ويسرة ناحية الشارع المؤدي للمدرسة لتتأكد من وجود وقت كاف لمتابعة النقاش، ثم سألت: وهل استجاب أهل الشام «بني أمية» لطلب الإمام ، أو هل استطاع الإمام إدخال ولاية الشام تحت حكومته، فهي على ما أعتقد أكثر خطرا واكبر شئنا من ولاية البصرة؟!

- نعم إنها أكثر خطرا واكبر شئنا من ولاية البصرة، لأن الشام كانت قلعة آمنة مطمئنة لبني أمية منذ تولي يزيد ابن أبي سفيان عليها في خلافة أبي بكر، وبعد وفاة يزيد وفي خلافة عمر استلم معاوية زمام الولاية وبقي فيها حتى استلام الإمام علي خلافة الدولة الإسلامية. حتى صارت قلعة منيعة لبني أمية. ويفر إليها كل طالب ملك أو طالب دنيا. حتى أن بعض من كان في جيش الإمام قد انحاز إليها وترك الإمام، أما طمعا في الدنيا أو خوفا من عدل الإمام .

- وبعد طول تفكير في ما طرحناه من معلومات، سألت ابنتي بتعجب: وكيف بدأ الإمام حربه مع بني أمية؟!

- كما هي عادة الإمام وحسب طريقته التي اقتبسها من معلمه الأول ومدينة العلم ﷺ، فكانت هناك مكاتبات ومراسلات كثيرة بين الطرفين، كان من آخرها والذي أجج النزاع بين الجيشين وقادهما لحرب لابد منها، وهو ادعاء القادة الأمويون واتهامهم للإمام علي بتخذيله الناس عن نصرة الخليفة عثمان، فلذا تسليمه لقتلة عثمان لا تكفي. وإذا ثبتت براءته من تلك التهمة، فإنها لا تكفي، لأن المرجع بعد ذلك إلى الشورى. وشورى العراقيين والحجازيين لا تكفي، لأن الحق خرج منهم إلى أهل الشام «بني أمية»، وهم الحكام على الناس. لذا كل الأبواب كانت مفتوحة أمام الاجتهادات والمماطلات، مغلفة أمام المهادنة والمصالحة، وتسوية الأمور بما ينفع المسلمين.

- هنا تنبهت ابنتي لتسأل: وما هي ”ليلة الهرير“ هذا العنوان الذي توجت به هذه الحلقة؟

- كانت ”ليلة الهرير“ خاتمة حرب صفين، وهي ليلة الجمعة الحادي عشر من سنة «38» للهجرة، وهي ليلة تكسّرت فيها الرماح وتثلمت فيها السيوف، وانخفضت فيها أصوات الرجال، وتعبت فيها الخيل. وفي هذه الحرب استشهد جمع من رجال أمير المؤمنين المخلصين، وهلك جمع غفير من جيش بني أمية، فقد دامت هذه الحرب زهاء أربعة عشر شهراً. وبعد أن أزاح جيش الدولة الإسلامية جيش بني أمية عن الماء، لامتناعهم عن السماح لهم باستعمال الماء إلا بقوة السلاح. فبان الانكسار والهزيمة فيهم، وهم قادتهم بالهروب، فرفعت المصاحف على رؤوس الرماح مكرر وخديعة، وبنفاق جماعة من جيش الدولة الإسلامية.

- تساءلت ابنتي بدهشة: وما هي حكاية رفع المصاحف هذه والتحاكم إلى كتاب بعد أن بانت تباشير النصر وظهرت أعلامه؟

عندها كنا قد شارفنا على أبواب المدرسة، فطلبت من ابنتي النزول، على أمل اللقاء في الحلقة القادمة بعد أن أكون قد أنهيت بحثي تنقيبا استعدادا لهذا السؤال.