آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 10:02 ص

أبو محمد ابليس.. الروح الحسينية الواعدة الواثقة

محمد أبو زيد

انتقل الى جوار ربه الرؤوف مساء هذا اليوم الأحد خادم أهل البيت الحاج سعيد بن جاسم ابليس «المحاسنة» تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه.

العلاقة التي تربطنا بالفقيد السعيد وأسرته المحترمة خصوصا الأخت المؤمنة أم محمد علاقة أسرية قديمة ووثيقة ومتأصلة بدأت مع بداية حياتنا حيث كنا في سن الطفولة المبكرة نرتاد منزل الأسرة الذي كان يضم الفقيد السعيد وأخيه المرحوم الحاج عبد الله ”ابا ابراهيم“ رحمهما الله.

وبحكم علاقة القرابة التي تربطنا بأبي ابراهيم زوج بنت عمي الحاج حسن بن مهدي ابو زيد، فقد كنا نكثر ارتياد منزل الاسرة في معظم الأوقات، كما هي العادة آنذاك حيث البيوت الصغيرة مساحة، الكبيرة والكثيرة خيراً وعطاء.. كما هي قلوب ساكنيها تستوعب الصغار والكبار والرجال والنساء.

كان الولد رحمه الله يقرأ العادة الأسبوعية لهم ليلة الجمعة بالإضافة الى شهر رمضان المبارك في كل عام، وقد تشرفت في إحدى السنوات بقراءة القرآن الكريم وختمه في ليالي شهر رمضان كما هي العادة المتبعة في مجالس الذكر الرمضانية.

هذا المجلس الحسيني ورثه الأبناء من والدهم المرحوم الحاج جاسم قبل ان يسكنوا الديرة كما سمعت من والدي.

كان المرحوم أبو محمد ”رحمه الله“ بالإضافة الى إيمانه وولائه، كريماً عطوفاً على ذوي الحاجات مضيافاً رغم قلة ذات يده، يستضيف في معظم الأيام أحد المؤمنين الفقراء على الغذاء، لم يكن هذا الرجل آنذاك متزوجا وليس له حرفة يتكسب منها، وعندما يحين وقت الغذاء يدعوه ليأكل معهم، ولأنه مكفوفا كان يجلس معهم في حجرتهم الصغيرة فكانوا يكرموه بالطعام الطيب ويؤثروه على أنفسهم ﴿ولو كان بهم خصاصة.

من المواقف الطريفة والظريفة التي كان يتندر بها هذا المؤمن الفقير ويذكرها على سبيل الظرافة، يقول: ذات يوم كنتُ في غاية الجوع لا فطور ولا عشاء، ودعوني كالعادة، وعندما وضعوا الطعام حدث بينهما ”الفقيد وزوجته“ كلام، غضبت ام محمد وقامت عن المائدة، حاول معها ابو محمد ليثنيها عن موقفها الا انها ازدادت اصرارا، ما دعا الزوج ان يتضامن معها ويرفض الأكل كذلك.

يقول: انتظرت بعض الوقت وبما اني جائع ورائحة الأكل الطيب مغرية جدا، فقلت لهم على سبيل المزاح، اذا لم تقوموا وتأكلوا فاني سالتهم الطعام بمفردي وعمركم ما تصالحتوا!

لم اكذب خبرا فأتيت على الطعام كله وقمت وغسلت يدي وغادرت المنزل شاكرا لهما كرمهما وزعلهما!

استمرت علاقة أبي محمد وزوجته الفاضلة بالمأتم الحسيني حتى بعد انتقالهما الى حي الفسيل وهو من الأحياء الجديدة ولا توجد به مآتم معروفه غير مجالس العادات الأسبوعية في البيوت، فأسسا لهما مأتماً بدأ يستقطب المستمعين من مناطق بعيدة مثل الديرة والوقف والدشة، وبدأ يتطور مع مرور الايام ويشهد حضورا كبيرا في كل المناسبات الدينية، وبرغم محدودية إمكانيات المرحوم المادية فقد كان ينفق بسخاء ويكرم المستمعين بصنوف الطعام والفاكهة والبركة.

ولان طموحه واخلاصه تجاوزا حدود التوقعات فقد استطاع بتوفيق من الله وعناية من ساداته الاطهار ”“ بناء الحسينية الجديدة التي اطلق عليها فيما بعد ”حسينية الأئمة“ وباتت لها شخصية حسينية وولائية مميزة وصارت مقصد عشاق الحسين وأهل البيت ”“ من كل احياء جزيرة تاروت ومن خارجها.

وبفضل تجهيزاتها العالية وموقعها المتميز فقد أصبحت مكانا ملائماً لإحياء المناسبات الاجتماعية المختلفة لعموم المؤمنين حيث تقام فيها مناسبات «الزواج والفواتح» يستفيد منها الجميع دون استثناء.

أذكر في ايام بناء الحسينية أخذني في جولة عليها وأطلعني على خططه وطموحته فقلت له انها مكلفة.. فقال بلغة الواثق: الحسين وأهل البيت كرماء!

لقد مثل رحمه الله الأسوة والقدوة للجميع فبرغم ظروفه المادية والصحية الصعبة الا انه استطاع ان يكون مصداقا حقيقيا للرواية الشريفة ”ما ضعف بدن عما قويت عليه النية“.

بعد هذه السيرة والمسيرة المباركة.. ودعت يا ابا محمد هذه الحياة الدنيا، محمود السيرة كريم الطباع، استثمرت مالك وشبابك وقوتك وأسرتك في طريق الحسين وفي سبيله.

أتعبت بدنك وتاجرت مع ائمتك فربحت التجارة وحان اليوم وقت حصادك.. فهنيئاً لك أنك تقدم على ما قدمت.

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الابدان

آخر مرة التقيتك في هذا الصرح الحسيني الكبير الذي أسسته ليبقى شاهداً وشهيدا بعدك، كان في أربعينية أخيك الحاج عبد الله ”ابي ابراهيم“ كنت متعبا من أثر المرض الا ان ابتسامتك وبشاشتك وحسنَ استقبالك وروحك الطيبة الكريمة توحي لمن يقابلك ويجالسك انك لا تزال ذلك الشاب القوي المتفجر حماسة والمتألق إيماناً والملتهب ولاء ووفاء للمبدأ الذي عشقت والسبيل الذي رسمت.

جمعتنا مناسبات وذكريات طيبة وعبقه معه ومع زوجته الوفية المخلصة أم محمد ما زالت عالقة في العقل والقلب والوجدان.

رحمك الله يا أبا محمد بواسع رحمته واسكنك الفسيح من جنانه وربط على قلوب فاقديك وعارفيك بالصبر والسلوان، وانا لله وانا اليه راجعون.