آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 7:40 م  بتوقيت مكة المكرمة

«50» الانسان في طبعه الاولي

الدكتور توفيق السيف *

جادلت بشدة في الكتاب ضد القول بان ضرورة السلطة مرجعها فساد الطبيعة الأولية للبشر. لكني اجد عددا كبيرا جدا من العلماء يتبنون هذا الرأي في الماضي والحاضر. وهو أمر وجداني مشهود، فكل مجتمع تظهر فيه انحرافات واختلافات، وكلما زاد عدد الناس، زادت مساحة الاختلاف والانحراف.

مجادلتي كانت ردا على دعوى بعض العلماء السابقين، بأن تعيين الامام من قبل الله سبحانه من الامور الضرورية عند العقلاء. وخلاصة قولهم أن اجتماع الناس بذاته مولد للتعارض وبالتالي الجور والظلم، الامر الذي يوجب قيام حكومة تردع البغي وتلزم الناس باتباع الحق. ويرجع هذا القول في الأصل الى الفلسفة اليونانية. وقال به سقراط وأفلاطون. واعتمده بعد ذلك فلاسفة المسلمين وفقهاؤهم، كما اعتمده الفيلسوف الانكليزي توماس هوبز في كتابه المشهور ”لفياثان“. وكان غرضي من تلك المجادلة هو نفي اصالة الفساد في الطبيعة البشرية. فانا أميل إلى الاعتقاد بان طبيعة البشر هي الخيرية والعقلانية. وبناء عليه فإنهم قادرون على التوصل إلى طريقة مناسبة لإدارة اجتماعهم، ولا يحتاج الأمر إلى تدخل من الباري جل وعلا. أو على الأقل فان التدخل الإلهي ليس سببه عجز البشر بل ربما لأسباب أخرى.

اما كون الفساد والتظالم مشهور ومشهود، فهذا واقع قائم لا أخالف فيه. لكني اعارض اعتباره دليلا على كونه ثمرة للطبيعة الاصلية للانسان او فطرته الاولى. وقد بينت في الكتاب اسباب معارضتي للفكرة.

ضمن ردودك على فكرة التظالم الاصلي، قلت أن تأسيس وجوب الامامة عليها، يقتضي نفي الإمامة في غير موارد الفساد والتظالم، وبالتالي سقوط الولاية على من يستطيع العيش دون تظالم. وارى ان هذا خلط بين الادلة العقلية الموجبة لوجود حكومة، والادلة النقلية الموجبة لتعيين الامام.

قولي المشار إليه رد على القائلين بان الإمامة الدينية والرئاسة الدنيوية شيء واحد، وان الثانية تستفاد من أدلة الأولى. لعلك لاحظت أن جانبا مهما من الباب الثالث من كتاب ”نظرية السلطة“ قد كرس للاستدلال على تمايز الاثنين.

أما الجزء المتعلق بسقوط الولاية عن المحسنين، فهو احتجاج لا يهمل. وقد استدل البعض عليه بالآية المباركة ”ما على المحسنين من سبيل - التوبة 91“. ولا استبعد احتمال أن يشمل هذا الدليل كلا النوعين، في حال عدم الحاجة إلى السلطة وعدم الحاجة إلى العلم. طبيعي أن هذا الاحتمال ضئيل، لكنه غير مستحيل، ومثاله شخص يعيش منعزلا في جزيرة، ولديه علم خاص بما هو حق له وما هو واجب عليه وهو يقوم بأموره بنفسه.. فهل يحتاج هذا إلى ولي، سواء كان إماما أو حاكما؟. ونستطيع مقارنة هذا بأدلة عدم وجوب تقليد الفقيه على المكلف العامل بالاحتياط، وهي مشهورة.

زبدة ما أردت التوصل اليه هو أن الإمامة والرئاسة، كلاهما تكليف إضافي وليسا من البديهيات. فكل منهما يحتاج إلى دليل خاص، رغم ان الفقهاء قد جرت عادتهم على الربط بين أدلة الاثنين. وقد اوضحت في الكتاب انهما ينتميان إلى مجالين مفهوميين وموضوعيين مختلفين. فيجب أن يكون لكل منهما دليله الخاص. والله اعلم.

ماذا تقصد بالتكليف الاضافي؟

الاصل في كل شيء عدمه، والاصل في كل عمل براءته من اي حكم، والاصل في الذمة فراغها من التكليف. حين نقول ان الامامة او الرئاسة أو الدولة ضرورة للحياة المدنية، فنحن نعني أيضا اننا نقبل بالالتزامات والقيود التي تفرضها على الفرد. وهذه كلها أعباء وتكليفات إضافية، اي انها لم تكن موجودة في الاصل. قيام الدولة او السلطة يلزم الفرد بطاعتها، وبالتالي فهو يقيد حريته التي كانت مطلقة قبل ذلك. والقاعدة العقلائية تقول ان كل عبء او تكليف، سواء كان الزاما بافعال او منعا من أفعال، أو تقييدا لحرية الحركة، أو اشغالا لذمة كانت فارغة، فهو مخالف للاصل الاولي. ومن هنا فهو يحتاج الى دليل يتناسب مع حجم الاضافة. الالزام بطاعة القانون او الامام، والتقييد الناتج عن ذلك، او عن وجوده مطلقا، يحتاج الى ثلاثة أنواع من الادلة: دليل على ان وجوده وفعله ضروري، ولا يستغنى عنه بغيره، ودليل على ان له حق الأمر والنهي والالزام، ودليل على وجوب طاعته على نحو محدد، وعدم صحة بدائلها.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.