آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

رئيسة الولايات المتحدة الأمريكية

زكي أبو السعود *

تشير الأنباء بأنه اصبح بما يشبه المؤكد بأن السيدة هيلاري كلينتون ستكون مرشحة الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر القادم، ولم يبقى إلا قرار مؤتمر الحزب العام الذي سيعقد في الشهر القادم بتسميتها رسمياً لهذه المهمة، وبعد أن يعلن المرشح الديمقراطي الآخر السناتور ساندرز انسحابه من السباق لعدم حصوله على الاصوات الكافية التي تؤهله ليكون مرشح الحزب الديمقراطي، فقد جمعت هيلاري كلينتون العدد المطلوب من المندوبين، بالإضافة إلى تأييد معظم المندوبين الكبار «الذين لم يظهروا حماساً منذ البداية لساندرز بسبب برنامجه الإصلاحي، والقريب من شعارات الاشتراكية الديمقراطية ”بصيغتها الأمريكية“». كما أن الرئيس اوباما أعلن عن تأييده لها ودعوته لتوحيد صفوف الديمقراطيين لمواجهة مرشح الحزب الجمهوري ترامب، المعروف بتوجهاته اليمينية والعنصرية. وقد لا يستغرب أن يكون المقابل لانسحاب ساندرز وإعلانه تأييده لها، أن يعين في منصب وزاري هام في الإدارة الديمقراطية القادمة فيما لو فازت مرشحتهم.

وقد علقت السيدة كلينتون على هذه النتيجة بأنها لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية يتم ترشيح امرأة لمنصب الرئيس عن حزب كبير. وهذا التصريح صحيح، ويعكس ظاهرياً عن تغيير في العقلية السائدة لدى الحزب الديمقراطي تجاه المرأة، بقبوله أن تمثله امرأة في الانتخابات القادمة. ومن المعروف أنه لم يسبق لأي من الحزبين «الديمقراطي والجمهوري» أن اختارا من قبل امرأة لتمثلهم في انتخابات الرئاسة. ولو تمكنت هيلاري كلينتون من الفوز في هذه الانتخابات فستكون أول امرأة أمريكية تتولى هذا المنصب الرفيع والأعلى في البلاد، مع العلم أن المرأة الأمريكية تبوأت مناصب حكومية كبيرة من قبل، إلا أنها لم تصل إلى هذا المستوى، رغم أن التعديل التاسع عشر للدستور الأمريكي المقر سنة 1920 أزاح المعوقات القانونية المانعة للمرأة من تولي أي منصب حكومي. وتعد فرانسيس بيركن أول وزيرة أمريكية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية حينما عينها الرئيس روزفلت وزيرة للعمل سنة 1933. ورغم التنافس بين الحزبين الكبيرين على كسب أصوات النساء، إلا أنه يحسب للحزب الديمقراطي إقدامه على توزير النساء في وزارت سيادية، حينما عين بيل كلينتون مادلين اولبرايت كوزيرة للخارجية سنة 1996.

لقد مضى ما يقارب القرن منذ دخول جانيت رانكن كأول امرأة إلى مجلس النواب سنة 1917 عن الحزب الجمهوري، إلا أنه فقط في سنة 2007 حينما كان الحزب الديمقراطي يمتلك الأغلبية البرلمانية في كلا مجلسي الكونغرس، تم لأول مرة في تاريخ أمريكا اختيار نانسي بيلوسي كأول امرأة رئيسة لمجلس النواب خلال الفترة 2007 - 2011.

حالياً هناك 104 امرأة في الكونغرس الأمريكي 84 منهن في مجلس النواب، أغلبيتهن «62» عن الحزب الديمقراطي، وهذا ليس بالأمر الجديد فمنذ خمسينيات القرن الماضي والحزب الديمقراطي يتفوق على الحزب الجمهوري في عدد ممثليه من النساء في كلا مجلسي الكونغرس «النواب والشيوخ».

إلا انه من المنصف القول أن المساعي لإيصال امرأة لمنصب الرئيس ليس بالأمر الجديد في التاريخ الأمريكي ففي سنة 1872 ولأول مرة في التاريخ السياسي الأمريكي ترشحت فيكتوريا وذهول عن حزب المساواة في الحقوق الذي كان يعرف أيضاً كحزب الشعب لهذا المنصب، وقد كانت هذه السيدة ذات التوجهات اليسارية من المناضلات الاوائل في أمريكا اللاتي تبنين المساواة بين الجنسين وإصلاح أنظمة العمل، وقد كانت منتسبة إلى رابطة العمال الدولية التي عُرفت أيضاً باسم بالأممية الأولى التي كان كارل ماركس من ابرز قياديها، كما أنها كانت ضمن أول مجموعة نسائية تصدر جريدة أسبوعية في التاريخ الأمريكي. ولنا أن نتصور مقدار شجاعة هذه المرأة التي تحدت في تلك الفترة من الزمن معوقات المجتمع بقرارها هذا.

ولكنه وكنتيجة للظروف السياسية المعقدة التي سادت الكرة الارضية في السنوات الاولى للقرن العشرين وحتى العقد الرابع، لم تترشح أي امرأة لمنصب الرئيس، ولكن الأمر تغير بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث نلاحظ أنه في جميع انتخابات الرئاسة الأمريكية كانت هناك نساء خضن غمار السباق على منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية - ولكنهن في معظم الأحوال تقدمن عن أحزاب تقدمية وثورية ومناصري الحفاظ على البيئة، كحزب واشنطن للسلام حينما تقدم بمرشحته ايلين جنسن سنة 1952، والحزب الشيوعي الأمريكي سنة 1968 بمرشحته شارلين ميشيل، وحزب العمال الاشتراكي سنة 72 19 بمرشحته ليندا جينس، وحزب السلام والحرية سنة 1980 بمرشحته مورين سميث وحزب الخضر بمرشحته سينثيا فولاني سنة 2008، وغيرهن ممن تقدمن في كل هذه السنين عن أحزاب صغيرة لا تملك القدرة على منافسة الحزبين الكبيرين. أي أن هذه الأحزاب الصغيرة ذات البرامج الإصلاحية والتقدمية والهادفة إلى تحسين حياة الأغلبية الساحقة من الشعب الأمريكي والمعادية لهيمنة الاحتكارات الكبيرة على مقدرات الشعب الأمريكي وتبني سياسة خارجية مناصرة لقضايا السلم وحرية الشعوب، هي من سبق الحزب الديمقراطي «ذي الأغلبية النسائية في الكونغرس» في تقديم مرشحات لمنصب الرئيس.

ولكن الأعلام الأمريكي ”البارع في التلاعب بالعقول“ يتجاهل عن عمد كشف هذه الحقائق، ويتفادى حتى الحديث عن مرشحي هذه الاحزاب الصغيرة «رجال ونساء» وعن مضامين برامجهم وخططهم فيما لو فازوا.

ودون النظر إلى ما ستؤول عليه نتائج الانتخابات، وهل ستتمكن السيدة كلينتون من الفوز أمام مرشح الحزب الجمهوري أم لا؟، إلا انه يمكن القول أن إقدام الحزب الديمقراطي على القبول بامرأة لتكون مرشحته لمنصب رئيس البلاد هي خطوة كبيرة وملفتة في التاريخ الأمريكي كما كانت حينما دفع باوباما «وهو غير ابيض» إلى منصب الرئيس. ولكن هذه الخطوة «الدفع بامرأة لتكون مرشحة لمنصب الرئيس» لم تأت من فراغ، وإنما جاءت كحصيلة للتراكم الكيفي في بناء الوعي الأمريكي حول القبول بالمساواة بين الجنسين، وهو ثمار للكفاح الذي خاضته القوى التقدمية والمنظمات المدنية العصرية الأمريكية لعقود عدة في سبيل ترجمة هذا الحق الدستوري إلى ممارسة فعليه.

كما أنه يمكننا النطر لهذه المسألة من زاوية أخرى؛ فرغم المظاهر التي تجعلنا نرى المجتمع الأمريكي متقدم اجتماعياً، إلا انه في هذا الجانب يبدو ”متأخراً“ مقارنة ببعض البلدان الأوروبية المشابهة - أن لم تكن متطابقة - له في في العديد من خصائص النظام الاقتصادي، فكما معروف هناك بلدان أخرى سبقت أمريكا نفسها في هذا المجال، كبريطانيا حينما تولت داتشر «المرأة الحديدية» رئاسة الحكومة، وألمانيا التي تقودها السيدة ميركل منذ فترتين انتخابيتين. كما أن هناك بلدان أقل تطوراً من أمريكا نفسها استطاعت تخطي حواجز اللامساواة بين الجنسين كالهند وبنغلاديش والأرجنتين بتولي نساء قيادة حكومات بلادهن في أوقات حرجة من تاريخها وذلك خلال الربع الأخير من القرن العشرين.

كما أن هناك في الوقت الحاضر بلدان افريقية واسيوية تقود فيها السلطة السياسية نساء، أو يقدن أحزاب سياسية معارضة.

إذن تولي منصب القائد السياسي من قبل امرأة لأي بلد ليس بالأمر الجديد أو الغريب في عالم اليوم، ومثلما ينجح أو يفشل الرجال في هذه المهمة فأن النساء عرضة لذلك، إلا إن قيادة امرأة للبلاد الأكبر في العالم سيجعله الأعلام الأمريكي يبدو وكأنه الحدث الأبرز ليس فقط في تاريخ الانتخابات الأمريكية بل وفي العالم، وأن تأثيره سوف يتخطى حدود الولايات المتحدة الأمريكية، وسيكون له تأثيره المعنوي على الحركة النسوية العالمية، وللمنادين بالمساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة حقوقياً وسياسياً. وقد يحدث هذا فعلاً، وقد تستعين به معنوياً الحركات النسوية والمكافحين للمساواة بين الجنسين. ولكن أي زخم وأي تقدم في هذا الاتجاه سيعتمد بصورة أساسية على عدم تخلي السيدة كلينتون عن شعاراتها السياسية التي تستخدمها الآن في حملتها الانتخابية لكسب المرأة الأمريكية وخاصة نساء الطبقة الوسطى اللاتي كن دائما يشكلن قاعدة الحزب النسائية. ولكن السؤال المهم متى وجدنا رئيساً أمريكياً واصل التزامه بما طرحه في حملاته الانتخابية؟.

بكالوريوس في القانون الدولي، ودبلوم علوم مصرفية. مصرفي سابق، تولى عدة مناصب تنفيذية، آخرها المدير العام الإقليمي…