آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

تقرير تشيلكوت

زكي أبو السعود *

أوضح تقرير القاضي تشيلكوت أن المبرر الذي قدمه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لاشتراك بريطانيا في غزو العراق وإسقاط ليس حكومته فقط بل وتدمير دولته لم يكن صادقاً، كما ادعى آنذاك، وكما ادعى زميله في قرار الحرب الرئيس الأمريكي بوش. وهنا ينطرح سؤال لماذا اقدم هذا الرجل على الزج ببلاده في حرب تحت مبررات كان يعلم بأنها إن لم تكن كاذبة فهي غير مؤكدة؟.

من المؤكد أن لديه أسبابه التي لم يكشف عنها وراء اتخاذه ذاك القرار الخطير الذي عارضه حينذاك أعداد كبيرة من مكونات الشعب البريطاني. وحسب ما اتضح من التقرير - الذي استغرق إعداده سبع سنوات - فأن القاضي تشيلكوت لم يأت بذكر أية أسباب أخرى أو مبررات مختلفة وراء القرار البريطاني. المهم أن بلير عن عمد خلق انطباعا بأن اشتراك جيوش بلاده في هذا الغزو هو لمصلحة السلم العالمي ولمنع ديكتاتور اخرق من امتلاك سلاحاً خطيراً. وها هو وحتى بعد صدور هذا التقرير يرفض الاعتراف بأنه اصطنع هذا التبرير وانه مع الرئيس الأمريكي اختلقوا الكذبة وصدقوها. قد لا ينكشف السبب الحقيقي وراء هذه الكذبة في اليوم أو في الغد، ولكن التاريخ سيكشفه في يوم ما، كما كشف عن أحداث تاريخية ظل الغموض يحيط بها، إلى أن جاءت اللحظة التي قال التاريخ كلمة الحق فيها. ولكن ودون أن نعرف الأسباب أو السبب الحقيقي لإقحام بريطانيا في هذه الحرب، يمكننا أن نسأل أنفسنا سؤالاً آخراً، من كان المستفيد من هذا الغزو ومن نتائج تلك الحرب غير المتكافئة والتي كانت نتيجتها النهائية معروفة مسبقاً لدى القادة العسكريين الأمريكان والبريطانيين، بسبب عدم تكافئ القوتين؟.

دون شك أن العراق وما يمتلك من خيرات معدنية كبيرة [مستغلة أو لا زالت في باطن الأرض لم تمس بعد] كانت ولا زالت تثير لعاب الشركات البترولية العملاقة، التي يمكنها تحقيق أرباحاً كبيرة متى ما أتيح لها التحكم في استغلال هذه الثروات، وهو ما يجعل أصابع الاتهام تتوجه نحو هذه الشركات وشركات السلاح أيضاً ومن يمثل مصالحهم بأن لهم دوراً ما في الدفع بهذه الحرب.

أن الدولة الأولى المستفيدة مما لحق بالعراق من تدمير ممنهج وعن سبق إصرار وتعمد هي إسرائيل دون منازع، فقد تم إبعاد العراق كدولة - دون النظر للتوجهات السياسية للنظام الحاكم فيها - عن قائمة الدول العربية المناوئة لإسرائيل - ولم تعد حتى لو تولى قيادتها ممن يتبنى معاداة السياسة الإسرائيلية - قادرة على الاشتراك في أي عمل عسكري ضد إسرائيل على الأقل في المدى القريب أو المتوسط.

إن من ينظر لواقع العراق في الوقت الحاضر يدرك جيداً كيف أن هذا الغزو الذي نفذته اكبر قوتين عسكريتين من دول الغرب ومن أركان الحلف الأطلسي الأساسية، دمر العراق تدميراً حضارياً، وارجعه عشرات السنين للوراء. وسيظل العراق بهذه البنية السياسية الهشة عرضة لتدخل الدول المجاورة له التي تطمح لإبقائه تحت تأثيرها ودائراً في فلكها، وهو ما سيبقيه ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية تسفك فيها دماء الشعب العراقي دون رحمة، وتسرق خيراته طغم سياسية فاسدة لا يهمها غير مصالحها الأنانية والضيقة، محتمية بحلفاء من الدول المجاورة التي تدرك أن هؤلاء الفاسدين هم ركائزها في بسط نفوذها في هذا البلد المنكوب بكوارث السياسة القذرة والفتن المحاكة في غرف الاستخبارات ومغارات المافيات الدولية.

هناك من يقول انه لولا هذا الغزو لما ظهرت داعش ولا غيرها من منظمات الاٍرهاب الأسود، وان العراق إبان الحكم الصدامي كان أفضل مما هو عليه في الوقت الحاضر، ناسين أو متناسين أن حكم صدام الديكتاتوري لم يكن حكماً صالحاً محباً لشعبه، بل كان قائماً على جماجم الشعب العراقي، وأنه لأجل القضاء على أي معارضة [مسلحة أو غير مسلحة] لا يتوانى عن استخدام أي سلاح بما في ذلك السلاح الكيميائي بحق أبناء شعبه. هؤلاء يتجاهلون كيف أسهم الحكم الديكتاتوري في مسخ الشخصية العراقية وجعل المواطن العراقي دليلاً وخانعاً لأجهزة قمع لم تتوارى عن ارتكاب اشنع الطرق وأكثرها وحشية للقضاء على أي شكل من أشكال معارضة الديكتاتورية الصدامية.

هؤلاء المدافعون عن صدام الذين يضعون اللوم على الغزو الأمريكي البريطاني للعراق في ظهور المسخ الداعشي، نسوا أن معظم قادة وعناصر داعش العراقيين تربوا وتم إعدادهم في عصابات فدائي صدام «المليونية» قبل أن تظهر داعش أو من سبقها من تنظيمات إرهابية. وان الفكر السلفي المتشدد قد دس به ليكون أساس المادة الفكرية التي تم تلقينهم بها، وليس الفكر القومي الذي كان يتشدق به صدام، واستخدمه كستار للوصول غدراً لقيادة العراق. لقد خلق صدام وحوشا ً[تدين له شخصيا ً ثم لنظامه بالولاء والطاعة العمياء وليس للعراق كوطن] مخططاً لها أن تكشف عن أنيابها حينما تأتيها الأوامر من قادتها الذين ارتبطت مصالحهم وتكوينهم بالنظام الديكتاتوري. وما نراه اليوم من أعمال بربرية همجية يذهب ضحيتها آلاف من الشعب العراقي ما هي إلا محاولات لاسترداد هذه المصالح وإعادة العراق إلى ما كان عليه إبان العهد الصدامي، ولكن بواجهة أخرى هي واجهة الخلافة الداعشية وتحت رايتها السوداء، التي في جوهرها وممارساتها لا تختلف عن نهج صدام الفاشي في فرض ديكتاتوريته على الشعب العراقي بكافة مكوناته القومية والدينية والمذهبية.

يُذكر أن الإنجليز لم يستشاروا حينما قرر الأمريكان حل الجيش العراقي، وأنهم اعتبروا هذا القرار خطوة غير مدروسة، ولكن هل سمع احد آنذاك بمعارضتهم لهذا القرار وغيره من قرارات تدمير الدولة العراقية؟. اليوم فقط وبعد خروج هذا التقرير سمعنا كيف أن الأمريكان همشوهم، ولم يتعاملوا معهم كشريك وكدولة زجت بأبنائها وبناتها في حرب ظالمة.

وحينما وجد الإنجليز انهم لن ينالوا من هذا الغزو غير توابيت تحمل جثث موتاهم قرروا الانسحاب، ولكن بعد خراب مالطة، عفوا بعد خراب العراق. كان بإمكان بلير لو كان صادقاً في ادعاءاته أن يضغط على شريكه بوش في اتباع سياسة لا تقود إلى مثل هذا الخراب الذي عصف بالعراق بسبب القرارات الأمريكية. كان بالإمكان حتى بعد اتخاذ قرار الحرب والتمكن من إسقاط صدام بتلك السرعة مساعدة الشعب العراقي بالتعاون مع الأمم المتحدة في تقرير مصيره واختيار قيادة سياسية تقود البلاد ديمقراطيا، لا وضعه تحت الاحتلال الأمريكي الذي فرض نظام المحاصصة الطائفية، فلم يجن العراق منه إلا النعرات والاقتتال الطائفي البغيض.

إن العراق اليوم يدور في دائرة مغلقة اشترك ويشترك في تكوين محيطها أولاً: قوات الغزو الأمريكي - البريطاني، التي تتحمل المسؤولية الكبرى في نشوء هذا الوضع، وثانياً: سياسات الحكم الديكتاتوري الذي جلبت للعراق الدمار والمعاناة والحصار، وتبديد خيرات الشعب العراقي على أجهزته القمعية العسكرية وغير العسكرية وعلى مظاهر البطر والرفاه التي كانت تنعم بها عائلة صدام وزبانيته المقربين. تلك السياسات التي ورثت للشعب العراقي عبئاً ثقيلاً لا يمكن الفكاك منه بسهولة. ثالثاً: القيادات السياسية وغير السياسية التي توالت على قيادة العراق منذ انتهاء [رسمياً] الاحتلال الأمريكي، والتي تتحمل هي الأخرى مسؤولية لا يستهان بها في استمرارية هذا الوضع، وفي عدم خروج العراق من دائرة البؤس المحيطة به. وأخيراً؛ لا يمكننا أن نغفل أو نستهين بما تقوم به عصابات داعش وحلفاءها وداعميها الإقليميين والدوليين من عمل تخريبي وتدمير متواصل للعراق، وأشغال الشعب العراقي عن البحث عن طرق سلمية للخروج من دائرة التخلف المحكمة قبضتها على أنفاس الشعب العراقي، فدورهم يتساوى مع قامت به قوات الاحتلال من جرائم لا تغتفر بحق الشعب العراقي وشواهد حضارته العريقة.

ختاماً لقد اعتذر زعيم حزب العمال الحالي جيرمي كوريين ذو التوجه اليساري عن قرار الحرب الذي اتخذه حزبه حينما كان بلير زعيماً له، وهو موقف نبيل لا يمكن إلا الثناء عليه، فهل يعتذر المسؤولون الآخرون عما فعلوا ويفعلوا بحق العراق؟

بكالوريوس في القانون الدولي، ودبلوم علوم مصرفية. مصرفي سابق، تولى عدة مناصب تنفيذية، آخرها المدير العام الإقليمي…