آخر تحديث: 20 / 8 / 2019م - 5:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

كتاب «عقلانية الدين والسلطة» محاولة في الربط مابين الدين والعقل والديمقراطية

حسين زين الدين

يتفق رجال الإصلاح ورواد النهضة في بلادنا الإسلامية أن عملية الإصلاح الديني والبناء الاجتماعي تبدأ من إصلاح الفكر وإذكاء فاعلية العقل كمقدمة لفهم الواقع وتشخيص مواطن الخلل من اجل تحويل الفكرة إلى واقع حي.

من هذا المنطلق، يمثل كتاب «عقلانية الدين والسلطة» مساهمة فكرية من قبل رواد الفكر والإصلاح في الجمهورية الإسلامية في إيران يهدف إلى الانطلاق بالمجتمع الإسلامي فكريا وعمليا في مجالات البناء الحضاري والديني وضرورة الجمع بين العقلانية والمعنوية نحو فهم جديد للدين ينسجم مع تطور الإنساني المعرفي.

والكتاب - صادر عن دار الانتشار العربي ببيروت - قام بتعريبه الكاتب أحمد القبانجي إلى اللغة العربية لما فيه من زخم معرفي يطال شبكة المفاهيم الدينية ومنظومة الثقافة السياسية وأراد من ذلك - على حدّ قوله - في زحزحة الوضع الثقافي المتخلف الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية والصعود بها إلى مستويات حضارية.

ففي المقالة الأولى، يتناول مصطفى ملكيان حقيقة المعنوية على أساس أنها تمثل جوهر الأديان وأن ضرورة العصر تقتضي الجمع بين « العقلانية» و« المعنوية»، فالسؤال المهم الذي يطرحه ملكيان ويجيب عليه في هذه المقالة هو: كيف يمكن الجمع بين العقلانية والمعنوية؟ وأهمية هذا السؤال تنبع من إحساس الإنسان من جهة بالحاجة إلى الدين، وإحساسه من جهة أخرى بأن التصور القديم والتقليدي عن الدين يتقاطع مع مقتضيات العقلانية الجديدة في حركة الحياة المعاصرة.

ويشرع ملكيان بذكر خصوصيات المدنية الحديثة وبعض خصوصيات الفهم التقليدي للدين لإثبات عدم إجماع هذا الفهم التقليدي للدين مع معطيات الحداثة والعقلانية المعاصرة، مؤكدا على أهمية المصير إلى إلى فهم جديد للدين ينسجم ينسجم مع تطور الآفاق المعرفية والحضارية للإنسان، وهو مايسميه ملكيان ب « المعنوية» التي تحتفظ في مضمونها بجوهر الدين.

وفي المقالة الثانية ينطلق ملكيان لبيان الحقيقة، وهي أن جميع حركاتنا وسكناتنا في الحياة تتمحور حول طلب الرضا الباطني الذي يتألف من ثلاث خصال: 1 - الهدوء النفسي، 2 - البهجة، 3 - الأمل. وبعد ذلك يستعرض تفاصيل هذه المفردات والخصال يشرع ببيان خصوصيات الإنسان المعنوي في مساحاتها الثلاث: مساحة العقيدة، مساحة العواطف والإحساسات، مساحة الآراء. وفي ختام مقالته يبين ملكيان سمات الحياة الأصيلة.

أما الشيخ الدكتور محسن كديور فيطرح في مقالته مسألة المجتمع المدني وانه عبارة عن المجتمع الذي يخضع لسلطة القانون، وفي دراسته هذه يستعرض شروط تحقق المجتمع المدني من خلال التجربة التي عاشها الشعب المسلم الإيراني أبان النهضة الدستورية وما يفرضه الواقع المعاصر من تحديات وقيم علمانية جديدة بأنساق فكرية تتحكم بحياة المؤمنين ومنع أية قراءة سياسية للدين من شأنها تكريس الاستبداد السياسي تحت غطاء ديني.

في المقالة الرابعة ينطلق الشيخ الشبستري من موقع بلورة النسبة بين الإيمان والسياسة والحكومة من خلال تفكيك البنى الفكرية لتيارين فكريين، احدهما التيار المحافظ التقليدي، والآخر التيار التقدمي التجديدي، ويطرح في هذا الصعيد خمسة مواضيع حساسة ومهمة من قبيل أن الإسلام بنظرية سياسية متكاملة تتكفل إقامة النظام السياسي في المجتمع الإسلامي؟.

ثم يتطرق الشيخ الشبستري لبحث مسألة ضرورة نقد الفكر الديني وغربلة التراث الفقهي فيما يتضمنه من أحكام سياسية وقضائية لا تنسجم ومتطلبات المرحلة الراهنة، مؤكدا أن الدين لا يقوم على العنف والاستبداد وان المعارف البشرية في مجال الدين غير مقدسة.

في المقالة الخامسة يتعرض الدكتور السيد هاشم آقاجري لدراسة مشروع المجتمع المدني وعوامل وموانع تشكله في حوارية نشرت في كتاب « نسبة الدين والمجتمع المدني» حيث يجيب السيد هاشم عن أسئلة متنوعة ومثيرة تتعلق بهذا الموضوع الحساس ويستعرض فيه مرورا إجماليا على تاريخ النهضة الجديدة في العالم الغربي وآليات المجتمع المدني الحديث وأوجه التشابه بينه وبين المجتمع الديني او مجتمع الأمة في الإصلاح القرآني، مؤكدا على ابتعاد هذا الأخير عن مفهوم المجتمع الشمولي « التوتاليتاري»، ثم ينطلق الباحث لبيان موانع تشكيل المجتمع المدني ومن هم أعداؤه ومؤيدوه، في واقع المجتمعات الإسلامية.

ويعرض الشيخ حسن يوسفي الاشكوري في المقالة السادسة والأخيرة مشروعه في الحكومة الإسلامية الديمقراطية، فيبدأ في بحثه بتعريف الدين والحكومة ومعرفة النسبة بينهما، ثم يتحرك على مستوى إثبات الماهية الديمقراطية للنظام السياسي الإسلامي من خلال العديد من الأدلة والإثباتات الكلامية وخاصة بما يتعلق بحق الناس في تقرير مصيرهم وان مصدر السلطة أرضي لا سماوي.

ويطرح الشيخ الاشكولاي سؤالا في سبب تسمية الحكومة الديمقراطية بأنها إسلامية رغم أنها على أساس حق الناس في الانتخاب وسن القوانين وفق حاجات الشعب، فيجيب سماحته بأن الدين له دور مهم في صياغة النظام السياسي والاجتماعي ولا يمكن للدين أو الإنسان المتدين أن يقف موقف الحياد او المتفرج على النظام السياسي وممارسات السلطة، وكذلك الحكومات لا يمكنها أن تلتزم الحياد بالنسبة إلى الدين والثقافة الدينية السائدة في أجواء المجتمع الإسلامي. ويؤيد كلامه هذا بشواهد عقلية ونقليه وتاريخية مستوحاة من سيرة الأنبياء في أقوامهم.

ويرى الشيخ الاشكوري أن الحكومة الدينية تعبر عن ضرورة عملية واستراتيجية للمتدينين والمؤمنين، ولكن لا بد أن تكون « إسلامية » في المضمون والمحتوى، و« ديمقراطية» في الأسلوب والمنهج، حيث تتحرك من موقع الاستفادة من تجارب الآخرين.