آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

تركيا في المرحلة القادمة

زكي أبو السعود *

رغم مضي ما يقارب الاسبوع على محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، والنقاشات والتحليلات لم تتوقف. حول اسباب فشل المحاولة، وجدنا من يصفها بالمؤامرة التي حبكها اردوغان بنفسه لتصفية خصومه الالداء «مجموعة غولان»، لأنهم مصدر الخطر الاكبر المهدد لحكمه. إلا انه ومع استبعادي لهذا الرأي، أجد ان أردوغان كان على دراية بأن خصومه القادمين من نفس المدرسة ويحملون نفس العقيدة لن يتركوه ينفرد بالسلطة لوحده، بينما يجري اقصاءهم وتقليص فرصهم في تولي الحكم وهم في مكانهم دون مقاومة، وان الانقلاب العسكري سيكون خيارهم الاقرب لمواجهة اقصاءهم.

لقد استطاع اردوغان خلال العشر سنوات الماضية ابعاد عدداً لا يستهان به من القادة العسكريين ممن لا يدينون بالولاء له، وتم استبدالهم بقادة غير مشكوك في اخلاصهم وولاءهم له شخصياً، كرئيس الاستخبارات هاكان فيدان، ممن قاموا بدور فاعلاً في احباط الانقلاب، دون ان نغفل ان قطاعات عسكرية وضباط كبار التزموا الحياد ولم يشاركوا في المحاولة انتظاراً لما ستسفر عنه المعركة بين الطرفين، خلافاً للانقلابات السابقة، حيث كانت معظم قطاعات القوات المسلحة تشارك بفعالية في التحرك منذ ساعاته الاولى. إلا أني اعطي لوقوف اغلبية القوى السياسية التركية بما فيها المعارضة اليسارية ضد الانقلاب منذ ساعاته الاولى دوراً حاسماً في النتيجة التي شهدها العالم اجمع. وهذا الموقف المضاد للانقلاب لم يكن حباً في اردوغان «باستثناء حزبه طبعا» ولكن كرهاً في العسكر.

اما النقطة الاخرى، التي اجدها مهمة وهي كيف ستكون تركيا غداً؟

إن الموقف الحالي لحزب العدالة والتنمية يضع من جديد الاسلام السياسي على المحك فيما يخص مصداقيته تجاه الديمقراطية واحترام القانون وحقوق الإنسان. لقد كان لدى عدد من المفكرين العرب ذوي التوجهات الليبرالية نظرة ايجابية حول تجربة حزب العدالة والتنمية، وانها قدوة يجب الاقتداء بها فيما يخص احترام الاسلام السياسي لقواعد الديمقراطية والقبول بالتعددية، وان هذا النموذج التركي سيكون بعيداً عن الميل نحوالاستبداد السياسي كما وجدناه لدى الاسلام السياسي في البلدان العربية، وانه لن يتخلى عن مُثِله الديمقراطية مهما حدث.

ولكن ما يحدث اليوم في تركيا لا يختلف عن ممارسات الاحزاب القومية العلمانية ”التقدمية“ العربية التي حكمت البلدان العربية في حقبة من القرن الماضي، حينما واجهت معارضيها - بمن فيهم ممن كانوا يشاركوهم نفس الايدلوجية - بوحشية مفرطة وقمع لا انقطاع له. وهو ما يرجعه بعض المراقبين السياسيين كأحد الاسباب لانتشار الاسلام السياسي في تلك البلدان. كما ان تصرف الحكم الاردوغاني هذا، لا يختلف عن ممارسات الاسلام السياسي الشيعي الحاكم في ايران الرافض بدوره للتعددية السياسية والفكرية، ولا يقر بشرعية أي قوة سياسية او دينية لا تقبل بمبدأ ولاية الفقيه.

إن عمليات التطهير والتصفيات الوظيفية والاعتقالات التعسفية التي طالت الاف المواطنين المدنيين والعسكريين الاتراك، التي تقوم بها الحكومة التركية.

في هذه الايام يمكن لها ان تتسع وتشمل كافة المعارضين، فالذي يتعامل بهذه الطريقة التعسفية مع مواطنيه فقط لانتماءهم السياسي، لا بد أن لديه الاستعداد لتطبيق نفس المعاملة مع كل من لا يقر ما تقوم به الآن.

لقد وجدنا كيف ان الحكومة الاردوغانية اغلقت صحفاً وحجبت مواقعاً انترنتية اثناء الانتخابات البرلمانية الاخيرة، وهاهي تكرر نفس الممارسات حالياً ولكن بصورة اكبر وواسع، وهو ما يوحي بأن تركيا مقبلة على مرحلة جديدة من القمع السياسي والديمقراطية الشكلية مع انتهاكات لا تتوقف لحقوق الإنسان.

إن جعل مقاليد الحكم ومفاتيح السلطة والتحكم في أتخاذ القرار، في يد شخص واحد هو دائماً بداية طريق الاستبداد مهما كانت الايدلوجية يسارية ام يمنية. ومن هنا اذا لم نقبل بتداول السلطة في جميع مناصبها ونلتزم بها بدءاً بمنظمات المجتمع المدني، ووصولاً إلى قيادة الدولة فأن الاستبداد سيلاحقنا ويبقينا في دائرة الخوف والتخلف.

بكالوريوس في القانون الدولي، ودبلوم علوم مصرفية. مصرفي سابق، تولى عدة مناصب تنفيذية، آخرها المدير العام الإقليمي…