آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 1:30 م

العنف.. السعـودي!!

سكينة المشيخص * صحيفة اليوم

لعنف من الحالات المجتمعية التي أصبحت قاسمًا مشتركًا بين جميع المجتمعات والثقافات والعرقيات، وقد يكون لذلك مرجعيته الحضارية والإنسانية التي تعاني اضطرابات قيمية وخللًا سلوكيًا في بنية الفكر المعاصر، وبصورة عامة فإن مرد العنف ينتهي الى ما وقع بين قابيل وهابيل، ولكن منذ ذلك الحين والى اليوم ظهر كثير من الأديان السماوية والوضعية التي حاولت ضبط السلوك الفردي وتهذيب الأخلاق الإنسانية بما يخلّص الفرد من مظاهر العنف والسلوكيات الأخلاقية السلبية، وحتى في المذاهب الفكرية ظهرت مبادئ تدعو لنبذ العنف كذلك الذي دعا له المهاتما غاندي وهو مبدأ «الأهننسسا» أو اللا عنف.

تبحث جميع المجتمعات الإنسانية عن الأمان الداخلي ولذلك فإنها من خلال منظوماتها السياسية والاجتماعية تعمل على ابتكار حلول ووضع لوائح وإجراء دراسات لاحتواء ظاهرة العنف والتخفيف منها قدر الإمكان، ومع التطور السريع والعنيف لواقع حياتنا أصبح العنف فعلًا سلوكيًا معقدًا يرتبط بهذا التطور السريع، ومن هنا برزت قضية العنف الأسري لدينا، واتخذت شكل الظاهرة لتبدأ المعالجات العلمية والمؤسساتية وفي العام 2005 تمّ إطلاق برنامج الأمان الأسري بناء على مرسوم سام، بهدف حماية الأسرة من العنف.

البرنامج حسب رسالته يسعى لأن يكون مركزًا للتميّز في شؤون العنف الأسري من خلال تقديم برامج الوقاية والمساندة ونشر الوعي وبناء شراكات مهنية مع المتخصصين والمؤسسات الحكومية والأهلية والمنظمات الدولية لتوفير بيئة أسرية آمنة في المملكة.

وكانت البداية الصحيحة للبرنامج من خلال المنظور العلمي الذي انتهجه في رصد العنف وتعقبه في الشرائح المختلفة التي تتعرّض له، وبحسب تلك المتابعات هنالك حالات عنف متزايدة في المجتمع السعودي خاصة ضد المرأة في مجتمعاتنا، ووفقًا لإحصائية حديثة لديهم فإن الحالات التي وردتهم بلغت مائتي حالة تنوّعت بين العنف الجسدي،، والإساءة النفسية، بالإضافة الى الاستغلال المادي.... إلخ.

عندما أتحدث لبعض السيدات عن وجود هذا المركز وأن هنالك قوانين معينة فرضت لحمايتهن من حالات العنف لو تعرضن لها أتفاجأ بأنهن لا يعلمن بوجود مثل هذه الخدمات والمراكز التي وضعت لمساندتهن، وهنا أتساءل: هل التقصير نابع من وسائل الإعلام في نشر الوعي الحقوقي في المجتمع أم أن هذه الجهات هي التي تقصر في تغذية وسائل الإعلام في عملية الحراك التي تبدله في هذا المضمار؟ خاصة مثل مركز الأمان الأسري الذي يملك خطًا هاتفيًا مباشرًا للتعامل بشكل فوري مع حالة العنف ومعالجتها، وعليه فعملية التواصل ليست معضلة صعبة خاصة في ظل التقنيات الحديثة، والنهوض بمقدار حماية حقوقية عالية ليست مسألة فردية كالسابق، فهناك كثير من المؤسسات التابعة للدولة نشطة في هذا المضمار، ومنذ مدة قصيرة وافق مجلس الشورى على مشروع نظام الحماية من الإيذاء، وفرض عقوبات، وهي مسألة مهمة، حيث إن إحدى عقوبات هذا النظام تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة وبغرامة مالية لا تقل عن 5 آلاف ولا تزيد على 50 ألفًا أو بإحدى العقوبتين لكل من فعل فعلًا من الإيذاء.

مواد مشروع النظام جاءت من التزام المملكة بالمبادئ الإسلامية بالإضافة الى انسجامها مع الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها، وفي جميع الأحوال فإن الأبعاد الأخلاقية تظل قائمة في كل لوائح ومشروعات الأنظمة التي تعمل وتسعى للقضاء على ظاهرة العنف الأسري التي لا تنسجم، شكلًا وموضوعًا، مع بنية النظام الاجتماعي لدينا، ومن خلال الوازع الديني وأدبيات العرف الاجتماعي بالإمكان أن تكون أحد آخر مشاكلنا وهمومنا، ولكنها تأخذ مسارًا تصاعديًا لا يليق بقيمنا وأخلاقنا، ولذلك في تقديري أن العلاج سلوكي ونفسي يبدأ من الفرد وليس المجتمع وعلى منظمات المجتمع المدني أن تبدأ من هنا ولا ترهق مجهودها في مساحات اجتماعية عامة.