آخر تحديث: 22 / 4 / 2021م - 11:38 م

نبي ضد التمييز

المؤمن ينذر وفرعون يراوغ

بدر شبيب الشبيب *

﴿يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ «29» سورة غافر

ما زلنا مع مؤمن آل فرعون في جداله النموذجي مع فرعون وقومه، إذ استمر يلقي الحجة بعد الحجة، مواصلا محاولاته الحثيثة لثني قومه عن قتل موسى . وفي هذا درس لما ينبغي أن يكون عليه دأب العاملين؛ أعني مواصلة المشوار حتى النهاية.

في هذه الآية خطاب يبدأ عاطفيا من القلب بقوله ﴿يا قَوْمِ ثم يصعد إلى العقل ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا. يذكرهم بأن معطيات الواقع الراهن في صالحهم، ولكن من يدري؟ قد تتغير تلك المعطيات، فماذا هم فاعلون إذا تغيرت؟! إن قوتهم لن تستطيع بأي حال من الأحوال مواجهة القوة المطلقة لله تعالى كما أثبت ذلك التاريخ الذي يعرفونه.

وفي ذلك درس لأولئك الذين يكدسون السلاح والعتاد لمواجهة شعوبهم بأن كل ذلك لن ينفعهم حين تحين لحظة الحقيقة ويجيء بأس الله الذي لا راد له.

وقفات:

1 - قوله ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ: لم يقل «لفرعون الملك اليوم» أو «لك الملك يا فرعون اليوم» إشعارا لهم بنعمة الملك التي يتقلبون فيها، وتخويفا لهم من زوالها، ولكسبهم في صفه ضد ما يريد فرعون من قتل موسى، وتجنبا لإثارة فرعون.

2 - قوله ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا: أدخل نفسه فيهم بعد أن أخرجها في قوله ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ليكون أبلغ تأثيرا في النفوس، كأنه أراد أن يقول لهم: إن علينا جميعا التفكير في المصير المشترك الذي سيواجهنا، وأنا واحد منكم حريص على مستقبلكم ومستقبلي أيضا.

3 - لم يتحمل فرعون - كعادة المستبدين - هذا الرأي المخالف لرأيه، وخاف أن يعيد ذلك صياغة عقول الأتباع وإعادة تشكيل الرأي العام، فجاء رد فعله سريعا ﴿ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ

يقول السيد محمد تقي المدرسي في تفسيره «من هدى القرآن» معلقا على ذلك:

قطع عليهم «فرعون» مسيرة الشك المنهجي والتفكير، قائلا: إنّكم لا تحتاجون إلى التفكير، ولا أن تروا شيئا، فأنا أفكّر وأرى لكم، ولا أرى إلّا الحق ولا أهدي إلّا إليه، فيجب عليكم أن تسلّموا لي تسليما مطلقا، وهذا هو ديدن الطغاة في كلّ مكان وزمان، وبالذات في الدول الديكتاتورية التي يعتقد حكّامها بأنّ صحفهم وإذاعاتهم وبالتالي رأيهم وفكرهم وحده الذي يجب أن تؤمن به الجماهير، ومن هنا نهتدي إلى أنّ فرعون الذي حاربه موسى لم يكن سوى مظهر من مظاهر الطغيان عبر التاريخ[1] .

 

[1]  من هدى القرآن، ج 12، ص 63