آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 3:38 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الوجه الآخر للرياضة

الدكتور منصور عبد الجليل القطري صحيفة الشرق السعودية

يشهد العالم في عصرنا الحاضر حركة متنامية في أبحاث ودراسات علم اجتماع الرياضة من منظور إنساني وحقوقي، ويبرز ذلك واضحا في اتجاهات واهتمامات الأفراد، كما يبدو واضحا أيضا في توجهات الدول والحكومات ومنظمات المجتمع المدني؛ بل وينظر للمنجز الرياضي على المستوى العالمي باعتباره أحد المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس مستوى التقدم الاجتماعي والثقافي للمجتمعات.

وأرغب هنا بأن أبرز الدور الإيجابي للحراك الإنساني، غير الملحوظ من قبل منظمات المجتمع المدني، في الحفاظ على نبل الأهداف التي تأسست من أجلها الألعاب الرياضية، وكيف أن هناك اتجاها جديدا أخذ في التصاعد، وجعل غايته توظيف الرياضة لصالح الإنسان. فعندما نتتبع على سبيل المثال حركة الرياضة للجميع «Sport for All» فاننإ نرصد بوضوح حجم البعد الإنساني لهذا الاتجاه، حيث تتصدى هذه الحركة «التي انطلقت من أوروبا» للأفكار التي ترى أن ممارسة الرياضة يجب أن تقتصر على أصحاب القدرات البدنية العالية، وتدعم فكرة إشراك الفئات المحرومة كالمرأة «كما هو الحال في المجتمعات العربية» وكبار السن، وتؤكد ضرورة أن تشمل الرياضة جميع السكان حتى أولائك الذين يقيمون في المناطق البعيدة عن المدن الكبرى، كأهل الريف، والبدو، والمناطق الرعوية، والمعاقين.

وقد استطاعت منظمات المجتمع المدني أن تفرض على الحكومات دعم الرياضة ماديا وأدبيا تماما كما تدعم التعليم، والصحة، والضمان الاجتماعي، وتساير هذه الحركات المؤسسات الرياضية الحكومية، ولا تتعارض معها. فقد قامت في ألمانيا حركةٌ اهتمت بمَن تخطّوا سن الرياضة التنافسية، أطلق عليها اسم الطريق الثاني «The second way» وقد تعمدت الحركة إشراك أكبر عدد ممكن من الطلاب الفقراء والعمال في مسابقات الجري المفتوح للجميع. كما ظهرت في أمريكا حركة الترويح للجميع، واتخذت عدة أشكال منها الهرولة في الطرقات «Jogging» وهكذا انتشرت هذه الفكرة عالميا بفضل جهود المنظمات الأهلية غير الحكومية.

نعم، في المجتمعات الاستهلاكية يقوم الناس بتقليد نفس الأفعال دون إدراك أن هناك جهدا جماعيا وحراكا إنسانيا يتم بناؤه على أهداف مقصودة حتى أصبح من المألوف مشاهدة الأفراد من الجنسين يهرولون على الطرقات الجانبية، وعلى شاطئ البحر، وفي الحدائق، في الصباح الباكر، وقبل مغيب الشمس. وفي هولندا ظهرت حركة مشابهة أطلق عليها اسم حركة تشكيل أو تهذيب الجسم «Trim action» هدفت إلى خدمة القرى البعيدة عن خدمات المدن. وفي إسبانيا ظهرت حركة التمرينات المتحركة، حيث تجري السيدة ومعها طفلها في عربة الأطفال وبذلك لا تعيقها تربية الأبناء عن حقها في التدريب واللياقة. وفي السويد تم ابتكار فكرة الجواز الرياضي «Sport Passport» الذي يسمح لحامله بممارسة الرياضة مقابل مبلغ زهيد أو رمزي بغض النظر عن السن أو الجنس.

وقد ذهبت هذه الحركات الإنسانية إلى فرض رقابة حقوقية من خلال اعتبار الرياضة إحدى قنوات العمل المهني «للأقليات» لإكسابهم حقوقهم، وإعطائهم مكانتهم الاجتماعية التي تليق بهم؛ فالسود - على سبيل المثال - كانوا يعانون الاضطهاد في جنوب إفريقيا العنصرية وأمريكا إلى عهد قريب، حيث كانوا يتعرضون إلى التمييز والتفرقة، خصوصا فيما يتعلق بحقوقهم في التمثيل الرياضي لبلادهم، ما دعاهم إلى الهجرة واللعب تحت أعلام دول أخرى.

وتفوق الأقليات رياضيا من الظواهر الجديرة بالدراسة، حيث وسّعت الأقليات من مستوياتها الرياضية إلى آفاق أبعد بكثير من حجمها الاجتماعي، وهذا يذكرنا بحديث أستاذ الجيل الواعي، المرحوم السيد فضل الله عندما قال: «على الأقليات أن تعوّض قلتها بالجودة». ويمكننا - على سبيل المثال - ملاحظة تفوق الأقليات الهندية في زيمبابوي وجنوب إفريقيا، وكذلك تفوق الأقليات المسلمة في الاتحاد السوفيتي في رياضة المصارعة.

والمعركة بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني لم تنتهِ بعد! لماذا؟

لأن هناك توجها خطيرا يعمل على تشويه الرياضة، وتحويلها من وسيلة للترويح والتواصل بين الشعوب إلى صناعة مالية، ومصالح متشابكة للشركات التجارية. ويمكننا القول إن الألعاب الأولمبية حافظت على أهدافها، وصمدت أمام محاولات إخضاعها للغة المال، كما صمدت طويلا أمام فكرة «تسليع الرياضة» أي تحويلها إلى سلعة كالاحتراف، وممارسة الرياضة من أجل المال؛ لكنها - مع الأسف - رضخت أخيرا وسمحت بقبول الاحتراف.

هذا الحذر من الرأسمالية الأمريكية البشعة يذكرنا بحركة «احتلوا وول ستريت Occupy Wall Street» حيث اعترض المحتجون في الحركة على تلك القلة من الأثرياء التي تستحوذ على المال والسلطة. ويرى المحتجون أن هناك في أمريكا «400» فرد يملكون أكثر من نصف الثروة، كما ترى الحركة أنها تمثل 99% من السكان مقابل 1% من أصحاب الثروة والنفوذ، وتدعو إلى توزيع عادل للثروة.

حركات المجتمع المدني لها العذر في أن تتوجس خيفة من الرأسمالية الوقحة؛ فرغم أن كرة القدم هي لعبة العصر؛ إلا أن لاعبيها من الفقراء والمعدومين. ففي دراسة أجرتها مجلة «الإيكونوميست» عن الرياضة عام 1997م، خلصت إلى قائمة للاعبي كرة القدم لم يكن بينهم أي غني!! مما يعني أن اللاعبين الفقراء مرتع خصب للتجارة الدولية بالبشر.

والجميل أنه على هامش فعاليات دورة الألعاب الأولمبية المقامة في لندن 2012 م، استطاعت الجمعيات غير الحكومية أن تفرض عقد مؤتمر حول المجاعة في العالم. وجاء في الرسالة التي أشرفت على تحريرها جمعية «انقذوا الطفولة» الخيرية «تمثّل دورة الألعاب الأولمبية فرصة نادرة لتغيير مستقبل ملايين الأطفال حول العالم، خاصة أن أعين المليارات من البشر مصوبة نحو لندن التي يتجمع فيها عديدٌ من زعماء العالم». وفي لفتة إنسانية غاية في الروعة عبر عدد من نجوم أولمبياد لندن 2012، عن دعمهم لحملةٍ تهدف إلى القضاء على سوء التغذية في الدول الفقيرة، وذلك في رسالة مفتوحة قبيل افتتاح نفس المؤتمر.

وهكذا يستمر الحذر والمواجهة الخفية بين الجمعيات الإنسانية وفكرة تثوير المال والأعمال حتى لا تتحول الرياضة من وسيلة للترويح والمنافسة الشريفة إلى مصالح متشابكة للشركات العملاقة التي تدفع الملايين مقابل الإعلانات ومقابل حقوق النشر التليفزيوني، حيث دخلت بعض الأندية إلى البورصة على فرضية أنه كلما زاد دخل الأندية ارتفعت مرتبات اللاعبين. وعليه فالحركات والمنظمات الإنسانية لا ترغب بأن تنتهي الرياضة إلى نفس ما انتهت إليه بعض الأنشطة الإنسانية الأخرى. لكن هناك إصرارا على أن تستمر الرياضة كما بدأت بأهداف نبيلة وشعارات جميلة في سبيل الترويح والهواية ومن أجل توطيد العلاقات بين الشعوب.

نحن جميعا بحاجة إلى تقييم المسيرة؛ ليس من أجل الحكم عليها فقط بل من أجل فهم ما يجري، ومحاولة أن نكون فاعلين في الحراك الإنساني لا متفرجين سلبيين؛ لكي نساهم في رسم مستقبل زاهر للبشرية. والشباب اليوم مدعوون ليس فقط لمعرفة اللاعبين من أمثال مارادونا وبيليه، أو أن سعر اللاعب البرازيلي رونالدو بلغ 30 مليون دولار… الخ. بل مدعوون أيضا لمعرفة أن هناك وجها آخر للرياضة ينبغي أن يتعرفوا عليه عبر مقولة البارون الفرنسي المتوفى عام 1936م «بيير دي كوبرتان» مؤسس الألعاب الأولمبية، ومصمم رموزها «العلم والشعار» الذي كتب القسم الأولمبي «وهو قسم تربوي يحلف به الرياضيون عند الافتتاح» والمصلح الاجتماعي الذي ترك في فرنسا أكثر من 15 ألف صفحة من الكتابات التربوية، الذي أوصى بدفن قلبه في مدينة أوليمبيا، وأكد ضرورة إدخال الرياضة إلى المدارس، وأن تستخدم القفازات في الملاكمة، وباعث الألعاب الأولمبية من مرقدها، الذي يحلو لنا أن نختم بنص كلمته الرائعة التي تهذب الصراع والمنافسة بين البشر والشعوب حيث قال: «أهم شيء في الألعاب الأولمبية ليس الانتصار، بل مجرد الاشتراك وأهم ما في الحياة ليس الفوز بل النضال بشرف».