آخر تحديث: 9 / 4 / 2020م - 12:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

السلطان سليم والشاه إسماعيل

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

تروج حالياً العودة إلى الماضي خصوصا ذلك الذي يستلهم التباين المذهبي، ومما أستعيد من حقب العداوة المذهبية تلك التي استحكمت فيها المواجهة بين الشاه اسماعيل والسلطان سليم الأول، فكل من الرجلين بذل الكثير من الوقت والجهد والمال والدم ليقوي ويوسع دولته، وعلى الرغم من أن مرحلة العداوة والحروب بينهما مضى عليها نحو 500 سنة، إلا أن بعضنا يسترجعها ويعيشها ويستجلب رموزها ويستحضر أو يرغب في استحضار مناخها وأجوائها.

وقبل أيام كنت انصت بإصغاء لزميل لي لتفاصيل ما كان بين السلطان سليم الأول والشاه اسماعيل من عداوة شكلت حياتهما ومراحل حكمهما، والقصص بينهما طارت بها الركبان ورصدها المؤرخون بتفاصيل بما في ذلك ما تبادلاه من رسائل وما فعلاه برسل بعضهما البعض، وفي نهاية المطاف هزم سليم الأول جيش اسماعيل في معركة جالديران، وانطلق بعدها ليوسع الدولة وعندما رحل كانت الدولة العثمانية قد بلغت أوجها بمساحة قدرها 5.2 مليون كيلومتر، ولم يتجاوزه أحد من سلاطين العثمانيين من بعده في القوة والثروة.. كلا الرجلين لم يهنأ بكل ما حققه بعد ذلك.. سليم كان يتطلع الى أن يقضي على اسماعيل ودولته، واسماعيل كان يحلم بأن يمحو الهزيمة التي لحقت به ليعاود التوسع، لكن الموت لم يمهل أيا منهما لينجز حلمه؛ فقضى السلطان سليم وهو في طريقه لإيران، وقضى اسماعيل شاه وهو يجهز لغزو سليمان خليفة سليم الأول.

بعد أن استمعت إلى حديث صديقي دار في خلدي أن هناك من يريد أن يعتقد أن المعركة بين السلطان والشاه لم تنته، وأن على أحد ما ان ينهيها، وكأنها حرب مقدسة من نوع أو آخر، في حين أن حربهما كانت سياسية لتوسيع رقعة الدولة وتحصينها، وقد استخدم المذهب في تلك الحروب كمحفز ودافع يجمع ويفرق، أدرك أن هناك من سيعدد ألف سبب وسبب، لكن أية قراءة متأنية لتاريخ تلك الفترة سيرسم لك صورة صريحة مفادها أن تحقيق الهدف الاستراتيجي كان المحرك. قبل الرجلين كان التنافس والتجاذب الطائفي وبقي بعدهما حتى يومنا هذا.

ليس من شك في أن الماضي يختزن كنوزا وحكمة وتجارب وأخبارا ومأثر وآثارا، لكن هناك من يعيش في الماضي يقلب في صفحاته باحثاً عن أشخاصه وأحداثه ومناخه واقتصاده! ويغترف من الماضي ليسقطه على الحاضر بأشخاصه وأحداثه ومناخه واقتصاده، وهناك من يلتقط من التاريخ التقاطاً انتقائياً ليرسم صورة أنيقة أو قميئة ثم يسقطها كذلك إما على أحبائه أو أعدائه.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار