آخر تحديث: 9 / 4 / 2020م - 2:32 م  بتوقيت مكة المكرمة

حتى لا نجبرهم على الرحيل

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

لما يزيد عن خمس عقود مضت والأمل معقود على تنويع اقتصادنا الوطني بما يمكنه من الارتكاز على قاعدة أوسع من الأنشطة الاقتصادية إضافة للنفط. وليس من شك أن اقتصادنا البدائي الذي كان معتمداً حتى الخمسينيات من القرن الميلادي المنصرم على خدمة الحجاح والمعتمرين وعلى زراعة تقليدية والصيد والرعي.. قد اخذ يتمحور بالتدريج حول المورد النفطي وإيراداته.

وبالفعل قدم النفط فرصة نادرة لتمويل بناء المرتكزات التنموية واستقطاب المزيد من السكان للمراكز الحضرية.. بل وحتى بناء المعطيات الأساسية للمراكز الحضرية من ماء وكهرباء وطرق ومرافق صحية وتعليمية، واخذت المراكز الحضرية الرئيسية تستقطب المزيد من السكان حتى أصبح لدينا محور حضري اجتذب أكثر من ثلثي قاطني البلاد، وهو محور شرق - غرب. وتزايد عدد سكان مدينة او قرية أمر إيجابي ما دام مصحوباً بنمو في الانشطة الاقتصادية أي نمو في فرص العمل وفرص الاستثمار، وإلا فإن النمو السكاني المجرد سيفرز عوزاً وفقراً.

ولذا، فاستراتيجية التنويع الاقتصادي تقوم على مرتكزين أساسيين متلازمين متكاملين لا يصلح أحدهما بدون الآخر: تنمية اجتماعية ونمو اقتصادي. وفي بلد مترام كمملكتنا الغالية، فالحديث عن التنمية كان ومازال وسيبقى تحدياً عملاقاً لتوفير بنية تحتية متكاملة ومترابطة وخدمات اجتماعية وصحية وتعليمية موائمة، لكن حتى مجرد توفير البنية التحتية والخدمات - رغم ضرورتها - هي ليست كافية إذ لابد ان يواكبها نمو في الاقتصاد المحلي للمدن والبلدات والقرى. والنمو في المدن والقرى والبلدات لا يأتي نتيجة لتخطيط عام على مستوى المملكة بل لابد من أن تدرس حالة كل تجمع حضري في المملكة على حدة سواء أكانت مدينة كبيرة أو قرية صغيرة، وأن تدرس بعمق للتفكر في أفضل السبل للمواءمة بين التنمية والنمو. وهنا نجد أن ايرادات الخزانة العامة ستساهم في توفير البنية التحتية لبناء الطرق وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية أما قضية انتعاش الاقتصاد المحلي للمدينة أو البلدة أو القرية فهي أكثر عناداً وتتطلب مستوى أعلى من الابداع والصبر؛ إذ كيف تطمئن أن حركة الاقتصاد في بلدة ستوفر أعمالاً لسكان تلك القرية تدر على كل أسرة دخلاً يمكنها من ان تعيش حياة مستقرة بعيدة عن العوز؟ ولهذا، فإن نجاح التنمية مرهون بازدهار القرى والبلدات وليس العكس، بمعنى ان القرى والبلدات لا تعيش فقط بمعطيات التنمية بأن يتعلم يافعوها فقط بل لابد - حتى تنتعش - من حفز اقتصادها المحلي بتوفير فرص عمل لأولئك اليافعين بعد أن يتعلموا وإلا سيضطرون أن يهجروا قراهم بحثاً على الرزق.. فيعيشوا هم وتذوي قريتهم.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار