آخر تحديث: 20 / 8 / 2017م - 3:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

علي صوت الحكمة الإلهية

وديع آل حمّاد

عندما أقرأ كتاب نهج البلاغة لأمير المؤمنين الإمام علي سيد البلغاء والفصحاء وإمام المتقين والعرفاء أشعر بأني في بستان معرفي فكري ثقافي روحي مملوء بزهور ذات رائحة عطرة، فأيها أقطف سأستمتع بعطرها الفواح فكرا وعطاء.

من هذا البستان الذي يبهر الناظر لروعته وجماله قطفت هذه الزهرة - لتكون محور معالجتي في هذا المقال - وهي:

يقول الإمام علي : «لا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه».

هذا المقطع ينطوي على رؤية فلسفية عميقة متعلقة بصفات الذات الإلهية، تحتاج إلى مقاربة من خلال نظرية المعرفة لسبر أعماقها.

في البدء لمعرفة قيمة المعرفة التي ينطوي عليها ذلك المقطع نسأل التساؤل التالي:

هل أطروحة الإمام «لا تجري عليه حركة» قضية حقيقية مطابقة للواقع ونفس الأمر أم لا؟

ليس بالإمكان أن أجيب على هذا التساؤل بالنفي والإثبات إلا بعد الوقوف على المدارس الفلسفية المهيمنة على المشهد الفلسفي في الوقت الراهن ومعرفة أبرز معالمها وآرائها.

هناك تنوع كبير في الآراء والرؤى الكونية والفلسفية، بيد ثمة مدرستان بارزتان في فضاء الفلسفة الفسيح، هما اللتان تشكلان المصدر الرئيس للمعرفة البشرية، ولهما رؤى متباينة حول نظرتهما للكون، بسبب تباين وسائل حصول المعرفة الذي ينعكس ضرورة على حدود المعرفة.

والمدرستان البارزتان في هذا الحقل هما:

- المدرسة المادية الديالكتيكية.

- المدرسة الإلهية.

المدرسة المادية الديالكتيكية تحصر وسائل حصولها على المعرفة على الحس والتجربة، ولذا لا ترى في هذا الكون إلا المادة «الفيزيقيا»، أما عالم الميتافيزيقيا والماورئيات الغيبة ليست من صلب اهتمامات المادي الديالكتيكي، بل ينكرها أشد إنكار ولا يقر لها بأية قيمة.

فحكمه على واقعية الأشياء من خلال المادة وسماتها، مستعينا بالحس والتجربة، متنكرا للبرهان العقلي.

أما المدرسة الإلهية فتعتمد في حصولها على المعرفة على البرهان العقلي والشهود العرفاني.

وهذا النهج انعكس على الفيلسوف الإسلامي، فبات متخطيا الفيزيقيا «المادة» إلى الميتافيزيقيا «الماورائيات الغيبية».

وهذا أمر طبيعي باعتبار أن نوعية الوسيلة المحصلة إلى المعرفة لها تأثير في تحديد حدود المعرفة، وتحديد حدود المعرفة تؤثر في قيمة المعرفة من يقينيتها أو نسبيتها.

بعد أن اتضح لنا الفروق الجوهرية بين المدرستين فيما يتعلق بوسائل حصول المعرفة وحدودها لنعود إلى مقولة أمير المؤمنين لنقف على قيمتها المعرفية.

مقولة أمير المؤمنين تنطوي على تنزيه الذات الإلهية عن الحركة والسكون. فنسأل لماذا ينزه الإمام الذات الإلهية عن الحركة والسكون؟

أصحاب الفكر المادي الديالكتيكي يرون بأن كل موجود مادي يخضع للحركة والتغيير، وعلى هذا من يرى بأن هناك كائن لا يخضع للمادة وسماتها من حركة وسكون وتغيير فهو غير موجود في نظرهم. ويقولون عن الكائن الميتافيزيقي الذي يؤمن به الإلهيون بأنه كائن مجرد غيبي يتعالى عن سنة الحركة والتغيير ما هو إلا كائن خرافي اخترعه الإلهيون.

وأما الفلاسفة الإلهيون لجأوا إلى إثبات فلسفي وعمدوا إلى إقامة البراهين العقلية المرتكزة على القواعد العقلية البدهية التي لا يمكن إنكارها.

وتجريد الفيلسوف الإلهي للذات الإلهية عن الحركة ناشئ عن تأمله الدقيق العميق في معنى الحركة.

فالحركة تعرف على أنها: «عبارة عن كون الجسم في مكان بعد كونه في مكان آخر».

فقبول الفيلسوف الإلهي بأن الله ذو حركة يعني القبول بالاعتقاد بأنه كائن مادي لأن الحركة من لوازم المادة، بالإضافة إلى تحديده والإشارة إليه بجهة. وبالتالي لا يكون ثمة فرق بينه وبين المادي

وأما إذا عرفنا الحركة بأنها: «عبارة عن خروج الشيء من القوة إلى الفعل على سبيل التدرج»، وآمنا بأن الله ذو حركة بهذا المعنى، فيعني ذلك أن الله كائن خاضع لقانون التبدل والتغيير والتطور، حاله حال النواة التي تتحول إلى شجرة. فضلا عن كون الحركة والتبدل تعني المحدودية والإشارة إلى الجهة والاحتياج والافتقار في الوجود، بمعنى وجوده عين الحاجة والفقر.

وهذا لا ينسجم مع واقع الذات الإلهية الذي يرونه الإلهيون، حيث يرون الله هو الوجود المفيض لا المفاض عليه، بل عين الفيض.

وينبهنا صدر المتألهين إلى أمر في غاية الدقة ألا وهو أن القبول بإلصاق صفة الحركة بالذات الإلهية تفضي إلى كون الشيء قابلا وفاعلا ومؤثرا ومتأثرا، وهذا أمر محال.

يقول صدر المتألهين في هذا الصدد: «إن الحركة لكونها صفة وجودية إمكانية لابد لها من قابل ولكونها حادثة لابد لها من فاعل، ولابد أن يكونا متغايرين لاستحالة كون الشيء قابلا وفاعلا وفعلا وقبولا، تجددين واقعين تحت مقولتين متخالفتين، وهما أن يفعل وأن ينفعل».

وقد يشكل أحد الأشخاص علينا ويقول: الكون حافل بكثير من الظواهر التي تتحرك بحركة تصاعدية لتصل إلى التكامل، فما الضير في اتصاف الذات الإلهية بحركة تصاعدية تهدف الى التكامل؟

إن محاولة المستشكل الذكية لتمرير إشكاليته على الفيلسوف الإلهي - من خلال اختيار مفردات أنيقة ورشيقة كمفردة التصاعد والتكامل - ليس من السهولة بمكان أن تنطلي على الحكيم، إذ ينقب عن حقائق الأشياء، متجاهلا الانبهار الذي تحدثه الصورة اللفظية للمفردة. ولذا يرى التكامل لا يخرج معناه عن دائرة الحركة من القوة إلى الفعل، والواضح لديه بأن هذه الحركة تنطوي على محاذير عقلية وشرعية، تجعل هذا الإشكال في قمة التهافت وخواء المعنى.

وأيضا لا يغيب عن بال الحكيم الإلهي وجود أمور كثيرة غير متحركة تعزز موقف الإلهين، مثل القوانين الرياضية والفيزيائية والفلسفية، مثل القانون العقلي استحالة اجتماع النقيضين.

وكذلك وراء هذا العالم الطبيعي عالم يتسامي عن المادية ويتعالى عن التبدل والتغير، كالروح والذات «أنا».

وبعد هذا الإيضاح بإمكاننا نحن أن نشكل على ذلك المستشكل ونقلب الطاولة عليه ونقول له: مادام ثمة أمور في هذا الكون غير خاضعة للحركة والتغيير، وواضحة للعيان، فما المانع العقلي من وجود كائن غير مادي غيبي يتعالى عن الحركة والتغيير، ألا وهو الله؟

وأخيرا أقول بهذا المقطع القليل في كلماته، العميق في دلالته، عشت خلاله لحظات تأملية فلسفية عميقة، تحرك العقل نحو البحث عن أعماق الحقيقة. فسلام على إمامنا - الذي تجري على لسانه الحكمة الإلهية ذات الواقعية والقيمة المعرفية المولدة لليقين لا نسبية الحقيقة - يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.