آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

كلاب الجن

محمد العلي * صحيفة اليوم

يروى البيت التاسع والعشرون من معلقة عمرو بن كلثوم هكذا:

وقد هرت كلاب الحي منا

وشذبنا قتادة من يلينا

وهكذا:

وقد هرت كلاب الحي فينا

وشذبنا قتادة من يلينا

والرواية الثانية أقرب إلى انسجام البيت ببعضه، لأن الشعر القديم مبني على وحدة البيت لا وحدة القصيدة. والوحدة هذه واضحة في الرواية الثانية، وإذن لنقف عندها قليلا لنسأل: لماذا لقب الشعراء بكلاب الجن؟ وهنا أكثر من إجابة: يقول أبو العلاء:

وقد كان أرباب الفصاحة كلما

رأوا حسنا عدوه من صنعة الجن

وقد شاع عند العرب أن لكل شاعر جنيا يوحي إليه، حتى أنهم سموا أولئك الجن بأسماء معروفة، فشاعر بشار هو شنقناق وهكذا، وهذا الاعتقاد سهل عليهم - في رأي الدكتور نصر حامد أبو زيد - القبول بفكرة الوحي.

وإذن فلقب الشعراء بكلاب الجن يقصد به المدح والإعجاب، وهذا يدع الخيال منسابا.. فلنا أن نتصور أن الجن مثل الإنس لهم أحزاب ونقابات ومدن متخلفة وأخرى متقدمة ويعيشون صراعا اجتماعيا سلميا يهدف إلى الإسراع في البناء الحضاري والتقدم، وهم يحبون الكبسة والحاشي، والغريب أن حاشيهم أقل سعرات حرارية من حاشينا بمقدار الضعف، وهو يقضي على قرحة المعدة وآلام القولون من الوريد إلى الوريد.

من زاوية أخرى إذا كان لكل شاعر من يوحي إليه من الإخوة الجن فمعنى ذلك أن الجن هم سبب كل النقائص عند البشر، فهم الذين علمونا الكذب والنفاق والتسول والضياع «ألم تر أنهم في كل واد يهيمون» وعلموهم العشق عن بعد والذي يقول: «والأذن تعشق قبل العين أحيانا» أو كمن يقول:

«تصف الطلول على السماع بها

أفذو العيان كأنت في الوصف؟»

ولهم مثلنا قبائل وأحزاب ونقابات ودول متقدمة وأخرى متخلفة، ويحتدم الصراع عندهم بين العلمانيين ومن يزدري العلمانية أو يراها كفرا.

وأنا، منذ قرأت ما قاله أبوالعلاء ألقيت بنفسي في الأماني الطوال، والتي منها المصاهرة، وأتمثل بقول الشاعر محمد الفيتوري مع بعض التحوير:

«لكم أشتهي جسدا فارعا

مهيبا لجنية جامحة

لقد قيل إن لحوم الجناني

لها نكهة ولها رائحة»

أو أني أهبط قليلا من صرح الأماني وأسأل تلك التي تزوجت جنيا: كيف هو عالم الجن يا سيدة تفيدة وأنت «يا بهية: خبريني يا بوية عن حال العاشقين».

كاتب وأديب