آخر تحديث: 24 / 6 / 2019م - 10:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثورة اجتماعية «27» لوحة فنية

حسين نوح المشامع

قال الله تعالى اسمه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ «69» العنكبوت.

قال أمير المؤمنين «الإمام علي »: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوى، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْه أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاَءُ».

تغير وقت ومكان تسجيل هذه الحلقة، في محاولة لكسر المعتاد وإضفاء نوع من التغيير، وبث شغف المتابعة وسهولة التلقي في القارئ، فذهبنا في رحلة قصيرة إلى احد دول الجوار، للاطلاع على معالمها السياحية، وتغييرا لأجواء الروتين.

ونظرا لأمور كثيرة من بينها حرارة الطقس العالية المزعجة، وقصر وقت بقاءنا في مكان واحد، وسرعة تنقلنا بين مختلف الأماكن، تقرر مناقشة محاور هذه الحلقة وتسجيلها خلال فترة تنقلنا، وحسب المستطاع.

في رحلتنا هذه كنا مجموعة صغيرة مكونة من الحاجة أم الأولاد معي، زوج ولدي العزيزة معه.

- بدأ الحوار بسؤال من ابننا الغالي:

ما هو محور النقاش في حلقتنا هذه، يا والدي العزيز، فلقد بهرني عنوان الحلقة الذي اخترته لها ”لوحة فنية“؟!

- هنا لم تتمالك نفسها فطرحت زوج ابننا سؤالها قائلة:

عن أي لوحة فنية تتكلم يا عمي الغالي، هل تغير مسار هذه الحلقة عما سبقها، فابتعدت عن نهضة الإمام الحسين ؟!

- كما وأبدت الحاجة أم الأولاد استغرابها قائلة:

لا استطيع أخفاء استغرابي من عنوان هذه الحلقة، ولكن ما هي علاقته بحركة الإمام الحسين ؟

- لقد بهرني العنوان كما بهركم، لكن لو أمهلتموني بعض دقائق لعلمتم لماذا اخترت هذا العنوان.

- تفضل يا حاج، وكلنا أسف للمقاطعة.

- لا عليكم، فلكم كل الحق في تعجبكم ذاك، فلقد كان آخر مطالعاتي عن ثورة الإمام الحسين في جانبها الإعجازي.

- ماذا تعني بالإعجاز هنا، يا أبي؟!

- ليس الإعجاز المعني هنا ما تبادر إلى أذهانكم من اتصاله بالخوارق الخارجة عن إرادة وقدرة البشر، بل هو ضمن إرادتهم وقدرتهم، ولكنهم يحتاجون في ذلك إلى الإيمان المطلق بالله تعالى، والتخلي عن ما يمنعهم من السمو والرفعة.

- وأين هي تلك اللوحة الفنية التي ذكرت، يا عمي؟!

- لوحتنا الفنية هذه لن يستطيع حتى راسم لوحة المونوليزا رغم جمال وروعة خطوط لوحته ودقة تفاصيلها إدراك جمالها وروعتها. لوحتنا هذه رسمت في كربلاء الحسين ، وخلال معركة الطف. *

- ما هذه اللوحة التي لم نسمع بها، ولم نسمع براسمها، يا حاج؟!

- لقد سمعتم بهذه اللوحة على الأقل أيام عاشوراء، إن لم يكن طوال العام. ولكن لم تسمعوا بها بالأسلوب الذي أحاول إيصاله إليكم.

- لقد ازدادت حيرتنا وعيل صبرنا، أفلا تكشف لنا عن هذا السر الذي تحاول إخفاءه عنا عمدا، يا والدي؟!

- كلي أسف إن كانت محاولاتي قد ظللتكم، ولكني كنت أقودكم للمغزى من كل هذا. لذا دعونا نذكر ما أورده المؤرخون والمحققون من موافق باهرة وصلت حد الإعجاز في كربلاء، منها ما قام بها أهل البيت ، ومنها ما قام بها الأصحاب «رض». منها ما قام بها الرجال، ومنها ما قام بها النساء، وحتى الأطفال.

- تقصد تلك المواقف التي أبهرت حتى الأعداء في ارض كربلاء، مما جعلتهم يجفلون حتى عن مواجهتهم وجها لوجه، لعدم تساويهم في التضحية والفداء، وعدم تكافئهم في قوة الأيمان والاعتقاد، يا عمي العزيز؟!

- نعم هذا ما أردت إيصاله لكم، يا عزيزتي، فلوحتنا هذه تظهر أنواع مختلفة من الأحاسيس المتضادة، من الحبّ والعداء، واللذة والألم، والقبح والجمال، والحزن والفرح، والفوز والخسارة.

- ألا نبدأ أولا بالإمام لحسين ، يا حاج؟!

- نعم، فلقد جاءه أعدائه محملين بالكره والعداوة والبغضاء والانتقام، جاءوا بالسلاح والدمار والهلاك والخراب ليقضوا عليه وعلى أهله وأصحابه.

- صدقت يا والدي، فحسب ما تعارف عليه البشر كان المتوقع منه مقابلتهم بالمثل، وهذا من حقه، لكنه لم يبدأهم بحرب رغم قلتهم، بل فتح لهم قلبه ومد لهم يده وأنقذهم من الموت عطشا.

- أحسنت يا بني، فرغم رعونتهم وعدم انصياعهم لطيب الكلام، أصر على نصحهم حتى لا يغرر بهم، ويبين لهم حالهم، ليكونوا على علم بما يقومون به ويقدمون عليه، ويعلمهم بنهايتهم الأليمة التي يقبلون عليها.

- لم تبعد عن الحقيقة، يا عمي، ليس هناك أجمل أو أكمل من هذا الحب الذي يقابله كل هذا الحقد وكل هذا العداء.

- هل هناك مثال آخر قدمه أهل البيت تتوج به هذا التحقيق، يا حاج؟!

- يوجد يا حاجة، هذا علي الأكبر ابن الإمام الحسين يستمع لاسترجاع أبيه وهو يقول: القوم يسيرون والموت يسير معهم. فيقول: السنا على الحق، فيقول الإمام الحسين : بلى. فيجيبه: إذا لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا.

- ليس هناك أكمل ولا أعظم من هذا الجمال الفتان، يا والدي العزيز، شاب في مقتبل العمر مقبل على الحياة، يفترض به كأي شاب آخر في مثل عمره التمسك بالدنيا ويعيش حياة طبيعية، ولكنه يضحي بنفسه مقابل معتقده وفي سبيل إمامه.

- لم تتكلم بعد عن الدور النسائي في هذه اللوحة العظيمة، يا عمي العزيز؟!

- أحسنت يا بنيتي، فهذه زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ترى أخيها مقطع الأعضاء مرمل في الدماء تحتوشه الأعداء من كل جانب، وهي مستسلمة للقدر المحتوم حاملة جسد أخيها الشريف متوجهة به للسماء، قائلة: ”اللهم تقبل منا هذا القربان“.

- حسب قوانين الطبيعة الإنسانية يتوقع منها الاعتراض والتنمر، فهي إنسان فقد عزيز، وهذا لم يكن مجرد عزيز، بل هو إمام مفترض الطاعة وابن آخر رسل رب العلمين، لكنها زينب الصابرة المحتسبة، ابنة بيت الوحي والإمامة، صدقت يا حاج.

- أليس هناك دورا للأطفال في لوحتك الفنية هذه، يا والدي الغالي؟!

- بلى، فبعد انتهاء الحرب والقضاء على كل من يستطيع حمل السلاح، سمح بالماء لإرواء ظمأ الأطفال، فأخذت احد الأطفال السقاء مهرولة، وبدل من أن تشرب وتروي ظمأها كما يرجى منها، أخذت السقاء إلى حيث الحسين تحاول أن تسقيه.

- إذا هذه لقطات قليلة من مجموع اللقطات الفنية الكثيرة التي توج بها أهل البيت هذه اللوحة الفنية، حيث يمتزج فيها الفرح بالحزن والخسارة بالفوز، أحسنت فعلا يا عمي الحبيب.

- ألا نتوجه الآن إلى الأصحاب لنرى ماذا سطروا في هذه اللوحة الرائعة، يا حاج!!

- نعم يا حاجة، فهذا حبيب بن مظاهر وقد خرج إلى أصحابه وهو يضحك، فأنكر عليه بعضهم قائلا: يا حبيب، ما هذه ساعة ضحك!! فأجابه حبيب، بإيمان عميق قائلا: ”أي موضع أحق من هذا بالسرور، والله ما هو إلا أن تميل علينا هذه الطغاة بسيوفهم فنعانق الحور العين“.

- هذا حبيب يتلذذ بمقابلة السيوف والقتل في سبيل الله، بدل من الالتحاق بالجيش الأموي فيحظى بالمنصب الكبير والمال الوفير، كما فعل غيره. أو يترك الإمام الحسين ويبتعد عن ساحة الوغى، خاصة بعد أن أعلن الإمام قائلا: ”هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم تفرقوا في سوادكم ومدنكم“، لقد أبدعت يا حاج.

- هل هناك جانب آخر من هذه اللوحة الفنية الباهرة امتزج فيها الحزن والكآبة مع الفرح والسعادة، عزيزي الوالد؟

- نعم، هناك عابس بن شبيب ينزل للميدان فيفر من أمامه الفرسان خوفا منه ومن شجاعته، فيرضخونه بالحجارة بدل من مواجهته وجها لوجه ورجلا لرجل. فرغم ما به من جراحات عظيمة أفقدته قوته وعنفوانه، ينزع عنه درعه ومغفرته ويواجه مهاجميه وجها لوجه وهو يجندلهم واحدا تلو الآخر، وهم يفرون من أمامه فرار المعزى من الأسد.

- صدقت يا والدي، فهذا عكس ما يقرره علم النفس، فلقد كان المتوقع منه الاستسلام كأي ضحية تسقط بين أنياب عدوها، بعد فقدانها قوتها ومقاومتها، ولتأكدها من نهايتها المحتومة.

- عمي العزيز، ما هو دور المرأة بين الأصحاب في ثورة الإمام الحسين ؟!

- أحسنت سؤالا يا ابنتي، فمن بين النساء الآتي كنا حول الإمام الحسين امرأة وهب الكلبي الحديثة العهد بالزواج، والتي كانت تحاول منعه من الالتحاق بركب شهداء الحسين ، لكن وما هي إلا دقائق من توجهه لمواجهة قدره المحتوم، وبعد ما رأت ما حل بالإمام الحسين وأصحابه، وسماعها واعية الحسين طالبا للنصرة، وإذا هي تحثه على التضحية بنفسه عن ابن بنت رسول الله ﷺ.

- مثالا جيدا يا عمي الغالي، لقد قامت بذلك لأنها شابة حديثة العهد بالزواج تخاف أن يتركها عريسها أرملة وهي في عز شبابها، وهو من حقها، وما كان الإمام الحسين ليجبره على تركها.

- فهل هناك أجمل من هذا الجانب من اللوحة التي احتوت على حب النفس والأنانية وحب البقاء، ويقابلها في ذات الوقت التفاني وحب الآخرين والتضحية بالغالي والنفيس والتضحية في سبيل إمامها ومعتقدها.

- لم تكن اللوحة الحسينية تحتوي على الجمال المجرد الذي يبهر من رآه فقط، بغض النظر عن معتقده وديانته، لكن من يوم رسمها لهذا اليوم، ما زالت تحتوي على ذلك الجمال الباهر يعاضده طول البقاء والاستمرار. فالإمام الحسين كجده رسول الله ﷺ وكالقرآن الكريم مقدس عند المسلمين، لكن تعاليه لم يكن لقدسيته فقط، ولكن لاحتوائه على جمال إعجازي لا يستطيع من يقاربه ويتعرف عليه إلا الإذعان والتسليم له.

- هل هناك موقف قام به أحد الأعداء يعزز ما تقدمه من طرح، يا والدي الحبيب؟!

- نعم يا حبيب، كان هذا الموقف واضحا بعد انتهاء معركة كربلاء وتوجه الجنود إلى الكوفة لاستلام جوائزهم، فتقدم احدهم إلي عبيدالله بن زياد هو يقول:

أملأ ركابي فضةَ أم ذهباً إني قتلت السيّد المهذب

قتلت خير الناس أماً وأباَ وأكرم الناس جميعاً حسباً

- أليس هذا اعتراف منه يا والدي، بفداحة الجرم الذي قام به، وانه لم يقتل إنسان عادي، بل إنسان على مستوى عظيم من السمو الرفعة.

- نعم، فليس هناك لؤم أكثر من هذا يشوه به تلك القطعة الفنية، فيمزجها ببصمة أموية منفرة. بصمة دموية سوداء كئيبة، لا تعرف الرحمة ولا ترتدع عن الباطل. ورغم كل ذلك تبقى هذه اللوحة دائمة دوام التاريخ، ويبقى يقينها لا تزعزعه العواصف، ولا تزال تقتص من أعدائها وتقذف بهم إلى مزبلة التاريخ من يومها ذاك حتى يومنا هذا. *