آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

شعر ما بعد اللغة

محمد العلي * صحيفة اليوم

تقول الشاعرة ندى الحاج:

«في الليل الاصفر سراب يعد بالاطمئنان
في الليل الاصفر سراب أبعد من التعب».

لك أيها القارئ «البيه» شهرة المتنبي او «دويه» كما يقول:

وترْكُكَ في الدّنْيا دَوِيّاً كأنّما
تَداوَلَ سَمْعَ المَرْءِ أنْمُلُهُ العَشرُ

ولك «بغددة» أبي نواس وهو يغني:

لياليَ أقتادُ الهوى ويقودُني
يجولُ بنا ريعانُهُ ونجاولُه

أو دعابة ذاك الذي يقول:

وقائل: هل تريد الحج قلت له:
نعم اذا فنيت لذات بغداد

ولو استطاعت يدي أن تطال الخلد لأخذت منه شجرة وارفة جعلتها تظلل رأسك وتدني بثمارها في جميع الفصول وحسب ما ترغب فيه.. كل ذلك من أجل أن تدلني على معني ما قالته ندى الحاج تلك التي ذكرتني بقول زكريا تامر «لقد مات الشعر مقتولا والقتلة هم الشعراء وما قصائدهم الا قبور دفن فيها الشعر، بعد مهرجان تقطيع وتمزيق».

حين وصلت الى هنا، الى هذه السخرية البلهاء التي هجمت علي وعلى زكريا تامر، هجم علي سؤال يشبه السوط: لماذا هذا الموقف الاخرق من لغة الشعر الحديث؟

لماذا لا نذعن للتطور الذي لا يلتفت الينا؟ ولماذا لا نخرج طوعا من الدائرة المفرغة التي نحن فيها؟ لماذا لا نعترف ان الاجيال تختلف فهما وذوقا؟ فالفهم والذوق او العقل والشعور هما أداتا فهم الشعر، فاذا انفصل احدهما عن الآخر فاتت الشعرية على القارئ، وأظن انا وجيلي قد ذهب الشعور المتذوق منا وبقي الفهم واذن فنحن نرى الشعر الحديث شعر ندى الحاج وجيلها بعين واحدة هي الفهم لا الشعور.

ما الحل اذن؟

الحل هو الاعتراف بأن اللغة شجرة تجدد اوراقها، انها تلبس في كل جيل ثوبا ينسجه عقله وشعوره معا، وحيث ان الشعور اسرع رقيا من الفهم فلا بد من الاعتراف بذلك.

لقد زجت بي ندى الحاج الى متاهتين: متاهة الجديد والقديم التي حفر التكرار قبرها منذ زمن ومتاهة اختلاف الاجيال في الذوق، وكذلك اختلاف المجتمعات بعضها عن بعض، بل حتى الافراد، فترى شخصا مرتجفا كموج البحر امام قصيدة، وترى الآخر مارا عليها كصخرة حطها السيل من عل.

كاتب وأديب