آخر تحديث: 26 / 9 / 2018م - 2:15 م  بتوقيت مكة المكرمة

الاستغراب «2»

وديع آل حمّاد

دوائر ثلاث يتوقف عليها نجاح مشروع بلورة علم الاستغراب، وهي: قراءة تراثنا وقراءة تراث الغرب وقراءة واقعنا المعاصر. في الأولى تكون الأنا في مواجهة الأجداد والأسلاف، أي الحاضر في مواجهة الماضي، وفي الثانية تكون الأنا في مواجهة الآخر، وفي الثالثة تكون الأنا في مواجهة نفسها، أي مواجهة الحاضر لنؤسس للمستقبل.

في المقال السابق تحدثت عن الدائرتين الأوليتين، ويبقى الحديث في هذا المقال عن الدائرة الثالثة.

السؤال المركزي المتعلق بهذه الدائرة هو: لماذا ينبغي أن نقرأ واقعنا الحضاري والثقافي المعاصر؟

الجميع يتطلع إلى الأمام، وهذا يعني ألا نكون حبيسين للزمن، ولا يمكن تجاوز الزمن الذي نعيش فيه والسير إلى الأمام، إذا لم نقم بعملية ربط بين الحاضر والماضي لنؤسس للمستقبل. فعدم قراءة واقعنا الحالي والاكتفاء بقراءة الماضي يعني هناك حلقة مفقودة تربط الماضي بالمستقبل. من هذا المنطلق يتضح لنا أهمية قراءة الواقع الراهن قراءة واقعية نقدية موضوعية من خلالها نقف على مواطن الضعف والقوة الكامنة في أمتنا ولنتمكن من إعادتها إلى جادة الحضارة والمدنية الإنسانية.

وبمجرد أن تتشكل الإرادة الحرة والرغبة الصادقة عندنا في قراءة واقعنا الراهن، تأتي إلى أذهاننا مجموعة من أسئلة اليقظة الفكرية التي تحفز العقل وتثيره وتوقظه من سباته العميق، المتمثلة في التالي:

_ لماذا نحن نعيش في حالة تقهقر وتراجع ونكوص حضاري؟

_ لماذا أصبحت الحضارة الغربية هي الحضارة المركزية وفي مقدمة السلم الحضاري؟

_ لماذا توقف عطاؤنا الحضاري بعد القرن الرابع؟

الحضارة الإسلامية امتد تأثيرها لمدة أربعة قرون في مختلف مناحي الحياة، ولم يقتصر بريق عطائها ورقعة تأثيرها على الشرق، بل امتد اتجاه الغرب، حيث كانت أوروبا تعيش في ظلام دامس وسبات عميق في مختلف جوانب المدنية والحضارية والثقافية والمعرفية، تقتات على حضارتنا. وبعد هذه الحقبة الزمنية أخذت الحضارة الإسلامية في تراجع ونكوص وانحسار، إلى أن أصبحت في حالة لا تسر الناظرين، إذ باتت على هامش دائرة الحضارة والمدنية الإنسانية، بعد أن كانت في طليعة الأمم وفي مقدمة السبق وبؤبؤ عين الحضارة الإنسانية الذي به يرى الأشياء.

وهذا راجع إلى عوامل عدة: سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وعقدية.

أما الحضارة الغربية فقد شقت طريقها في عصر النهضة، لتكون في مقدمة الركب، بعد أن نفضت عن نفسها غبار الجهل إذ منحت مفردتي العلم والعقل حضوراً لافتاً وأهمية كبيرة في مختلف مفاصل حياة الإنسان الأوربي وجوانبها بعد أن غيبتهما الكنيسة الكاثوليكية قسراً. إضافة إلى العمل الدؤوب على شيوع الثقافة النقدية كقيمة تطويرية للوعي الأوربي. في الوقت الذي غابت عن أمتنا هذه المفردات المؤثرة في تشكيل الوعي حدوثاً وبقاءً.

ورغم ما آلت إليه أمتنا من واقع مرير إلا أن رحمها لم يعقم، فبين الحين والحين تبرز محاولات جادة من قبل أفراد حملوا على عاتقهم رسالة البناء الفكري الذي يعيد للأمة أمجادها. فأمثال هؤلاء الذين يحلمون بإعادتنا إلى وضعنا الطبيعي في الركب الحضاري، تجدهم يعتصرهم الألم والحسرة لما آلت إليه أمتنا من تخلف معرفي ونكوص حضاري. وهذا الألم يحفزهم

على التفكير الجدي في العمل على إيجاد جسر عبور يوصل إلى الهدف، وهو النهوض بمشروع فكري ضخم قادر على إحياء الحضارة الإسلامية من جديد، من خلال إيجاد بدائل ثقافية وفكرية تتناسب مع طبيعة الوقت الراهن، وتحصين الأنا من موجة التغريب، والانعتاق من الانبهار بمنجزات الحضارة المادية الغربية.

وعلى هذا نتساءل: هل بإمكان كل فرد أن يتصدى لمثل هذه المشاريع الفكرية المعرفية المصيرية والمؤثرة في تاريخ الأمة الحضاري؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، ماهي أبرز الصفات التي ينبغي أن يتصف بها حامل لواء هذه المهمة؟

لاشك ولاريب أن بلورة مشروع فكري طموح، ذي تأثير بارز في مسيرة الأمة، وفي إعادة تشكيل منظومتها المعرفية والثقافية والحضارية، لابد أن يكون المتصدون له يتصفون بصفات تؤهلهم للقيام بواجبهم خير قيام، أبرزها: امتلاكهم إرادة حرة ورغبة صادقة في التجديد والتغيير، والشجاعة الكافية والصمود على المضي قدماً في هذا المسلك، لأنه وعر وشائك، وعدم الخشية من أنصار عدم التجديد ذي النزعة الاستصحابية الماضوية، الذين يصرون على بقاء مفاهيم شاخت وذبلت وفقدت بريقها ولا تتسق مع روح العصر، فيضعون العراقيل أمام دعاة التجديد.

وهنا قد يسأل سائل: لماذا الإصرار على توافر سمة التجديد كصفة ضرورية وأساسية ينبغي أن يتصف بها المتصدي لمثل هذه المشاريع الفكرية؟

سأحاول جاهداً الإجابة عن هذا التساؤل من خلال إثارة مجموعة تساؤلات:

هل بالأمكان الوقوف أمام تيار جارف إسمه التجديد والتغيير؟ وإذا أردنا الوقوف أمامه، ماذا نملك من أسلحة وذخيرة وعتاد لمواجهته؟ وإذا كنا عاجزين عن مواجهته، هل الأجدى التفكير في إيجاد خارطة طريق تتسم بالتوازن بين التجديد والمحافظة على موروثنا العقدي وهويتنا بمقوماتها اللغوية والتاريخية والحضارية والثقافية أم نترك أمورنا في مهب الريح؟

فإذن التجديد والتغيير أمر حتمي، وسنة كونية لا مهرب منها ليس بمقدورنا مواجهتها أو الوقوف أمام طريقها، فهي نهر جار. ولذا ذو الفكر النير يؤمنون بالتجديد والتغيير من منطلق إيمانهم بالنواميس الكونية، فيعملون على التوافق والتناغم والتآلف بين التجديد والتغيير مع منظومتنا العقدية ومقومات هويتنا الذاتية بدلاً من التنافر والتباعد، بخلاف ذوي النزعة الماضوية الاستصحابية الذين تعيش أجسادهم في هذا القرن وعقولهم في القرون الأولى، وبالتالي لا يواكبون الواقع وتحديات العصر وأزماته الثقافية والحضارية، كأنهم يعيشون في جزيرة منعزلة عن العالم.

إن ما حدث في أوروبا في عصر النهضة ماثل أمامنا، حيث تشكل نفور في نفوس الناس من الكنيسة الكاثوليكية بسبب الجمود والسكون وعدم تقبل القائمين عليها لفكرة التجديد والتغيير في المنظومة الفكرية والمعرفية والعقدية التي تتعارض مع العلم والعقل.

بعد أن وقفنا على أهمية التجديد والتغيير في المنظومة الفكرية والمعرفية، يتبادر إلى الذهن تساؤل، وهو:

إذا كان التجديد والتغيير بهذه الأهمية، وبلورة علم الأستغراب أحد المشاريع الفكرية التي تنهض بالأمة كأحد مصاديق التجديد والتغيير، فهل رجل الدين قادر على المشاركة في بلورة هذا العلم أم هذا الأمر من مسؤولية المثقف العربي والإسلامي؟

القول بأن المؤهل لهذه المهمة هو المثقف بمعزل عن رجل الدين أمر خاطئ، وكذلك القول بأن رجل الدين قادر بمفرده على القيام بهذه المهمة دون الحاجة إلى المثقف.

نجاح مشروع بلورة علم الاستغراب يحتاج إلى عمل تكاملي بين رجل الدين والمثقف لا عمل تنافسي تناحري.

وهنا قد يسأل سائل: هل تسند هذه المشاريع الفكرية المصيرية بالنسبة للأمة إلى من يحمل عنوان المثقف، ومن يحمل عنوان رجل الدين؟

ليس كل مثقف مؤهل للقيام بهذه المهمة. فالأمة العربية والإسلامية حافلة بالمثقفين، ولكن ليس بمقدورنا أن نثق بكل مشروع يطرح على الساحة الفكرية، وإنما تثق بمن يكون طرحه الفكري قائماً على التمييز بين الاستغراب والتغريب، فيؤمن بالاستغراب كنظرية قابلة للتحقيق على أرضية الواقع وتؤتي ثمارها في المستقبل على هذه الأمة. أما من لا يؤمن بالاستغراب، بل جل همه هو إشاعة ثقافة التغريب فليست مشاريعه موضع ثقة، ولا يعول عليها في إحياء حضارة الأمة.

وكذلك ليس كل رجل دين قادر على الاضطلاع بهذه المهمة الجسيمة، إلا من يملك مواصفات ذاتية، تتعدى العمق في علم الفقه وأصوله إلى امتلاك الوعي بالمخاطر والتحديات الفكرية والمعرفية والعقدية والثقافية والحضارية التي تعيشها الأمة والقدرة على تشخيصها واجتراح الحلول، فضلاً عن سعة اضطلاعه ومتابعته المتواصلة على نتاجات العقل الغربي من أفكار ونظريات وآراء.

وساحتنا الفكرية تسجل إنجازات معرفية في بلورة الاستغراب للفئتين: لرجال الدين والمثقفين.

فالسيد محمد باقر الصدر، من فئة رجال الدين عندما رأى الإسلام كمنهج حياة يعمل على تغييبه وإبعاده عن المدنية والحياة الحضارية قسرياً، تصدى من خلال مشروع فكري يعيد الأمل للأمة ويزرع الثقة في نفوس أبناء الأمة في منظومتها العقدية. ومشروعه الفكري، اجتمعت فيه مجموعة ركائز، أبرزها: استدعاء التراث ليحلل مكوناته وبنيته، ليهذب ويشذب ويوظف الصالح منه في بناء معرفي معاصر. والثانية قراءة نتاجات الآخر الغربي معرفياً ليقف على نقاط ضعفها، وعدم القبول بالصورة الذي يروجها الآخر عن نفسه وعن حضارته، بأنها تمثل الحضارة المحورية المركزية، وهذا واضح من خلال نتاجه المعرفي المتمثل في: اقتصادنا وفلسفتنا والبنك اللاربوي في الإسلام، والأسس المنطقية في الاستقراء.

والثالثة العمل على إبراز الرؤية الإسلامية كمنهج حياتي حضاري والنظرية القرآنية، وهذا نلمسه في سلسلة كتاب الإسلام يقود الحياة، وكتاب المدرسة القرآنية.

ومن المثقفين الذين درسوا الغرب من منطلق الأنا المستقل الحريص الغيور على إعادة الاعتبار لأمته، وقدم أطروحات تمثل إنجازاً في مجال فلسفة التاريخ والحضارة الإنسانية، ألا وهو مالك بن نبي، حيث قدم مشروعه الفكري في كتابه مشكلات الحضارة - شروط النهضة، الذي ذهب فيه إلى قدرة الفكرة الدينية على صناعة التاريخ والتغيير الاجتماعي.

وكذلك في كتابه مشكلات الحضارة - وجهة العالم الإسلامي، حيث هاجم فيه الحداثيين الذين يرون التجديد لابد أن يكون على النمط الغربي.

وهناك عدد لا بأس به من الفئتين - من يحملون في نفوسهم بذور الإبداع الفكري القادرون على الاضطلاع بمهمة نجاح مشروع بلورة علم الاستغراب - لا يسعني في هذا المقال ذكرهم وتتبع إنجازاتهم في هذا الجانب.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
هلال الوحيد
[ القطيف ]: 6 / 1 / 2018م - 7:40 ص
احسنت في تحديد العناصر المهمة.
بارك الله فيك. فعلا نحتاج لبث الهمة والنشاط وليس فقط الاتكاء على ما تم انجازه. هناك نقاط ضوء نتمنى أن تكبر في عالمنا ليزداد وهج الحضارة.