آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 4:01 ص  بتوقيت مكة المكرمة

استنقاذ بعض القيم من تفريغها في أرض الواقع

المهندس أمير الصالح *

عندما كنت أتجول في مدينة سافانا الامريكية فبل بضع سنين، تأملت في كلمات مكتوبة على قميص لشاب افروامريكي، وكانت الكلمات هي، مع سابق الاعتذار من القراء،: freedom، Peace and Shit.

الترجمة الضمنية للكلمات هي:

حرية، سلام، وهراء. والشاب ضمنا يتهكم ويزدرئ على ابناء مجتمعه الامريكي او هكذا تُفهم الرسالة بأحد صورها.

وكأن لسان الحال للمتوشح لهذا الشعار هو انه مُحبط من الشعارات الجوفاء التي استهلكت الكلمات الرنانة لا سيما القيم دون نتائج ملموسة مما جعل بعض الكلمات تتساوي والابتذال لإفراغها من محتواها وانعدام تلمس مخرجاتها. وهذا ينطبق في مجتمعات اخرى وليس فقط في اوساط اجتماعية محددة.

اي مجتمع يستهلك اعلاميا كلمات كبيرة رنانة دونما تفعيل واقعي يجعل ذلك المجتمع من نفسه أضحوكة عند الاخرين او ساحة نفاق اجتماعي خصب وتضارب مايُقال بما يُفعل. ولعل اصدق مصاديق ذاك في بعض المجتمعات المحيطة هو كلمة ”ترشيد“ او كلمة ”التخطيط الواعي“ او كلمة ”زيادة كفاءة“ وكلمات رنانة اخرى لا يتسع المقام لطرحها جميعا ك ”تكافؤ الفرص“ و”الانفتاح على التنوع العرقي“. فمثلا كنا ومازلنا نسمع كلمة ”الترشيد“ في نفقات الافراح» wedding party «و لكن الواقع يقول عكس ذاك والتبذير في كل جزئيات حفلات الزفاف حد النخاع. كنا ومازلنا نسمع مصطلح مثل ”التخطيط المالي الواعي“ الا اننا مازلنا نُسجل ارتفاع عدد انكشاف الاسر والافراد ماليا لعدم وجود اي ثقافة مالية او خطط ادخار. كنا ومازلنا نسمع بمصطلح ”إدارة الوقت“ الا اننا في الواقع نرصد الاستهتار ب الوقت من طبقات مختلفة من المجتمع والانغماس في صغائر وتوافه الامور عن الاهم من الامور ك الاقتصاد والتعليم والصحة. وهكذا دواليك من الامثلة تجعل شعار الفتى الأفروأميركي الصامت والمكتوب شعار منطوق وملموس في ارض الواقع وفي عدة بقع من العالم.

مع وجود وضع اقتصادي جديد نتيجة فرض رسوم القيمة المضافة كبداية في موضوع الضرائب التصاعدية على بعض السلع والخدمات، اصبح لزاما على المستوى الفردي تفعيل كل خطط الضبط ورفع الكفاءة في الاستهلاك وحسن ادارة المصروفات والتخطيط والمتابعة والتدقيق والمحاسبة على كل المستويات المالية وغير المالية. ولايفوتنا هنا تعليق جرس المطالبة بالسعي لايجاد صيغ اجتماعية سلوكية جديدة مقبولة تكسر حواجز السلوك التبذيري السائد منذ ايام الطفرة بعناوين مختلفة كالكرم او العيب او الفشيلة او الاحراج او الوجاهة.

ولعل اول ميادين البداية للتغير في السلوك الاجتماعي الاقتصادي هو ميدان حالات الزفاف وتكاليفه الباهضة. فلا يمنع عقلا ولا عرفا ضرورة تاكييد قبول دعوة الزفاف مسبقا لحصر عدد المشاركين ثم الايعاز بالايلام بقدر عدد الحضور المؤكد وليس الاعداد للوليمة تخريصا وتنجيما.

كذلك لا يمنع اجتماعيا من ادارة ضبط الوقت في تحديد وقت الزيارة مسبقا لتجنب اهدار الوقت واعادة استثمار المتوفر منه في التثقيف الذاتي او التثقيف التربوي داخل الاسرة او زيادة جرعات الوعي العلمي للشخص.

طبعا هناك مصطلحات وكلمات ذات دلالات وقيم لم نتعرض لها ك ”تكافؤ الفرص“ و”قبول الاخر“ و”حق العيش المشترك“ و”المحاسبة“ و”الشفافية“ و”التوزيع العادل للثروات“ و”الزهد“ و”التقوى“ و”فرض القانون على الجميع“ و”محاربة الظلم“ و”تجريم الكراهية“ و”اقتلاع المحسوبية والواسطة“ ونترك للقارئ حيثما كان حق تسليط الضوء على كل القيم التي يرتأي الاستهلاك المفرط المجوف اجتماعيا واعلاميا حد الابتذال والتناقض في استخدامها في وسطه الاجتماعي طبقا لمستوى وعيه ومداركه والسعي منه لايجاد حلول ومخارج فاعلة واستنقاذ ما يمكن استنقاذهُ من القيم ومضامينها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
هلال الوحيد
[ القطيف ]: 23 / 1 / 2018م - 8:23 م
You have to excuse me but your translation is not quite right.
الكلمة ليس ترجمتها هراء بل تعني فضلات الآدميين...
شكرا لك