آخر تحديث: 23 / 9 / 2018م - 6:27 م  بتوقيت مكة المكرمة

الوزير.. والإستيم!

محمد رضا نصر الله صحيفة الرياض

نبهتني شابة سعودية في تيوب متداول - مؤخراً - حول التغيير النفسي الذي يجري على من يترقى في سلم الوظيفة، من إنسان طبيعي إلى إنسان آخر متنمر!.. لأرجع إلى مقال قديم كتبته هنا سنة 2003، عن آخر وزير إعلام عراقي في حكومة صدام حسين.. هو محمد سعيد الصحاف الذي بدا على حقيقته، بعد افتقاده الوظيفة الوزارية، مع انهيار النظام الكارثي البعثي الذي انتمى إليه، فالذين شاهدوا الصحّاف في آخر لقاء تلفزيوني أجري معه - وقتذاك - لاحظوا أنه تغير تماماً، بدا أشيب الرأس متغضن الوجه، عارياً دون التزيين بإكسسوارات السلطة الخلب ومكاييجها البراقة! وقد كان مجرد مدير مدرسة! متخطياً الصفوف إلى كرسي الوزارة دون استحقاق، ليضفي عليه الحيوية الكاذبة والعنف والغرور!.

إنه «إستيم» السلطة.. هذا الذي ينبعث من خلايا الوزير، بمجرد أن يتسلم قرار تعيينه، فتراه «ينتفخ» كالبالون.. يحمرّ وجهه لا عن صحة، وتستيقظ همته لا عن حيوية.. وإنما هذا الغاز السحري العجيب، يفعل - أحياناً - بمن يرتقي سلم الوزارة ومن في حكمها الأفاعيل.. فتراه يسوس بها الموظفين والمراجعين آمراً متجبراً متغطرساً!!.

اليوتيوب المتداول أشار إلى باحث أميركي، هو داكر كلنتر الذي درس هذه الحالة، في بحث أكاديمي عنونه ب «مفارقة السلطة» موجود ملخصه على موقع هارفارد بزنس ريفيو العربية - HBR Arabic· October 23,2017، وقد اكتشف في أبحاثه التي أجراها، خلال السنوات العشرين الماضية، نمطاً سلوكياً مثيراً للقلق في العديد من الأماكن العامة، كالجامعات ومجلس الشيوخ الأميركي وغيرها.. إذ «كيف يتبدل السلوك بشكل صادم، كلما تم الترقي على سلم السلطة والمناصب العليا، من خلال بعض السمات والأفعال التي تعزز من مصالح الآخرين حولهم، كالتعاطف والتعاون والانفتاح والإنصاف والتشارك، إلا أنّهم حين يصلون إلى منصب ما وينمو لديهم الشعور بالسلطة، تبدأ هذه المزايا والصفات الحميدة بالتلاشي»؟!.

قبل نتائج الباحث الهارفاردي بسنوات، أحسب أنني اكتشفت ما توصل إليه - مؤخراً - في ما اسميته وقتذاك «إستيم السلطة» ذلك الغاز النفسي الذي يؤثر على أعصاب وأخلاق وتصرفات من يحل في كرسي الوزارة، أو أي موقع إداري رفيع عام أو خاص.. إلا في ما ندر.. فتراه لا يتكلم إلا همساً، بينما كان بالأمس القريب يزمجر على زوجته وأطفاله!، وهو اليوم يفتري على موظفيه، ويتكبر حتى على زملاء الدراسة ورفاق الدرب!.. لطالما عايشنا نماذج من هؤلاء، رأيتهم يغيرون من مشيتهم متهادين بها! وقد طفح ذلك الغاز السحري الفوار على وجوههم! بعضهم بمجرد التلويح لهم بالمنصب، يحل فيهم عفريت التكبر والغرور، منفصلين عن واقعهم، كلما تضاعفت في دمائهم نسبة إستيم السلطة!.

يوصي داكر كلنتر المصابين بهذا المرض الفتاك للمشاعر الإنسانية، التشافي منه بزيادة الوعي الذاتي، وملاحظة التغيرات على سلوكهم السلطوي الطارئ!.. أحسب أن الوزير المخضرم الراحل د. غازي القصيبي سبقه بسنوات، عندما أرجع مصطلح الوزارة إلى أصله اللغوي هو الوزر! ولأنه يتملك عناصر التأهيل النفسي والذهني، والوعي الديني، والثقافة الواسعة، والرؤية الوطنية الواضحة، وقبل ذلك الضمير الإخلاقي، بتحسس مطالب المواطنين وهمومهم، فقد ضرب المثل الناجح في إدارة أصعب الوزارات، دون أن يشكل له المنصب الوزاري الخلاب عقدة نفسية أو مكسباً شخصياً.

أخبرني الأستاذ سليمان الصالح بعد تعيين غازي وزملائه الدكاترة، في حكومة 1975 أنه لاحظ تغير سلوك أصدقائه ممن توزروا، فعندما يدعون إلى مناسبة اجتماعية، أو حتى أسرية، يراهم يجلسون إلى بعضهم بعضاً، ويتناجون مع بعضهم بعضاً! في حين لاحظ عدم تغير تصرف غازي، فبعدما يدخل عليهم سرعان ما يخلع عقاله وغترته، مختاراً الجلوس إلى جنب أحد أصدقائه غير المستوزرين.. يتحدث بصوت مسموع، يحاور الجميع بكل شفافية، مستقرئاً معهم الحلول الممكنة لحل مطالب المواطنين.. هؤلاء الذين لم تغب همومهم أو أفراحهم يوماً عن ناظريه.. وحتى تتأكد من هذا أسأل كم يحتفظ كثير منهم، برسالة عزاء أو برقية تهنئة وصلتهم من د. غازي القصيبي.. لماذا؟ لأنه كان واثقاً من نفسه، معافى من الإصابة بذلك الغاز الجهنمي المدمر.. إستيم السلطة!