آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

هروب القمر

محمد العلي * صحيفة اليوم

هل تظن أن عنوان المقال من إغراءات المجاز أو شطحاته؟ كلا.. فأنا أستخدم الكلمات فيما وضعت له. إن هروب القمر أصبح واقعا عند معظم البشر. وحتى نحن أبناء الصحراء لم يعد بعض أحفادنا يعرف حتى اسمه.. غير أن قلمي - حفظه الله - يود أن يعرف السبب الميتافيزيقي لهروبه، وإلى أي نوع من الفلسفة يعود؟

مبدأ الحديث قول أحد البيانيين القدماء «البلاغة هي التشبيه» لأن هذه الجملة اليقينية القصيرة بنت هرما أكبر من هرم «خوفو» يهرع إليه كل شاعر يستجدي منه قليلا من المساعدة لوصف الجانب الحسي من الحبيبة، فلا أكرم منه سخاء بالضوء الساحر.

والغريب الفاقع أنه حتى الشعراء الذين وجدوا قبل هذا البلاغي.. ومن جاء بعده لا يزالون مهطعي رؤوسهم أمام القمر: ليلى. لولوة. هند. أنديرا. نهرو. شربات. خزنة العيلة. نفرتيتي. مارلين مونرو.. جميعهن، على اختلافهن: تاريخيا وجغرافيا وعرقا ولونا.. يشبهن القمر. والقمر المسكين قضى عمره المديد، وهو يسمع هذا، ويذرف الدمع، ويهرب، ولكن إلى أين؟ هل هناك مرفأ قمري سواهن؟

لا أظن أن هروب القمر كان سببه الفرار من سماع من مرغوه بكل النساء، بل لشيء آخر نستشفه من قول الشاعر الشعبي اللبناني ميشيل طراد:

«ت أنصب لك من النور مرجيحا

طيري فيها وغني

والقمر هذا اللي خلف صنين

متشاوف بحالو

عم تطلعي ببالو..»

نعم. هي تلك التي إذا طلعت ببال القمر فر خجلا منها. إنها لا تشبه القمر ولا يشبهها. إنها ضوء كضوء الصوفية، يشرق في القلب «كما يولد الماء في حضن نبع» كما يقول الشاعر عبد الوهاب أبو زيد.

طراد هذا هو الذي عرف سبب هروب القمر الجبان. وطراد كان المحيطون به يسمونه «قلب الطفل» أما أنا فأطلق عليه «قلب الناطور»:

«وقفت قلبي في الدرب ناطور

ت فاق ألف نهار

وعيت الشمس وزقزق العصفور

أو ما إجت جلنار».

كاتب وأديب