آخر تحديث: 14 / 11 / 2019م - 11:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

عام جديد.. تباشير مرحلة جديدة

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

عام رحل، وعام جديد يفتح أبوابه، لعله يكون أقل عناء وأكثر رحابة. انتهى العام 2018 حاملاً مؤشرات إيجابية بقرب انفراج كثير من الأزمات العربية، كما هو الحال بالوعي المتزايد لدى دول المنطقة والقوى الكبرى بأهمية التوصل إلى حل سياسي للأزمة اليمنية، تعيد الاعتبار لوحدة اليمن وتؤمن استقراره واستقلاله ونماءه. كما أن هناك وعياً آخذاً في التعاظم بأهمية إنهاء الانقسام والتشظي في ليبيا. يتزامن كل هذا مع ما يبدو، خواتيم للأزمة في سوريا واقتراب عدد من البلدان العربية باتجاه هذا البلد العريق. في هذا السياق نشير إلى زيارة الرئيس السوداني عمر البشير لسوريا وإعادة عدد من الدول العربية فتح سفاراتها في دمشق. ويسجل لدولة الإمارات العربية المتحدة شرف المبادرة في هذا الاتجاه نشير إليه.

على أن هذه الخطوات التي تدفع بنا إلى التفاؤل، يقابلها في سياق آخر تعثر الكثير من القضايا وعلى رأسها قضية العرب المركزية قضية فلسطين. فقد شهد هذا العام قيام الرئيس الأمريكي رونالد ترامب بنقل سفارة بلاده إلى مدينة القدس، خروجاً على القرارات الأممية ومواثيق هيئة الأمم المتحدة والإجماع الدولي. وشهد هذا العام أيضا تصاعداً ملحوظا في بناء المستوطنات اليهودية بالأراضي المحتلة، وتنكراً لحق العودة وعروبة القدس.

لقد حرضت همجية العدو اليهودي واعتداءاته المستمرة ضد الشعب الفلسطيني، على خلق حالة نهوض جديدة تمثلت في مسيرات العودة التي تنطلق كل يوم جمعة في مناطق التماس بقطاع غزة منذ سبعة أشهر ولاتزال متواصلة حتى يومنا هذا. لقد تعاظم النضال الفلسطيني وتصاعد عبر قطاع غزة، ليمتد لهيبه إلى رام الله وعدد من مدن وبلدات الضفة الغربية، وصولا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948. هناك أيضا تعثر في السياسة اللبنانية، حيث مضى أكثر من سبعة أشهر دون التمكن من تشكيل حكومة لبنانية، بما يعني جمود العمل السياسي، وتعطل مصالح الناس. وفي العراق لم تتحقق خطوات جدية باتجاه إلغاء العملية السياسية التي هندس لها المحتل والمستندة على القسمة بين الطوائف والأقليات. إن عودة العراق القوي والمحرر إلى الساحتين العربية والدولية تقتضي إلغاء عملية القسمة واعتماد مبدأ المواطنة، وتحقيق مصالحة وطنية شاملة تلغي التهميش والإقصاء لأي من مكونات المجتمع العراقي.

ومع كل أسباب النكوص ليس لنا إلا أن نتفاءل، يدفعنا إلى ذلك ما قدمناه في قراءات سابقة، عن مؤشرات انبثاق نظام كوني جديد يعيد الاعتبار للمبادئ الناظمة للعلاقات الدولية، وعلى رأسها احترام سيادة الدول واستقلالها، وحق الأمم في تقرير المصير. بات واضحاً الآن الصعود الكاسح للاقتصاد الصيني، والنمو المضطرد لروسيا الاتحادية، وبروز الهند كقوة اقتصادية وعسكرية صاعدة. يضاف إلى ذلك تشكل محاور اقتصادية وسياسية عالمية جديدة، كمنظومتي شنغهاي وبريكس. من جهة أخرى تنمو النزعات الاستقلالية في القارة الأوروبية، عن الولايات المتحدة. وهنا نستحضر دعوة الرئيس الفرنسي ماكرون لتشكيل جيش أوروبي موحد لمواجهة نزعات التوسع لدى روسيا والصين والولايات المتحدة، والنزعات الاستقلالية لأنجيلا ميركل التي تعمل على النأي بسياسة بلدها عن سياسة الرئيس الأمريكي ترامب. وإذا وضعنا في الاعتبار التراجع العسكري الأمريكي المتفاوت الدرجات في كل من أفغانستان والعراق، ومؤخراً اعلان الرئيس ترامب عن سحب قوات بلده من سوريا، في وقت تتقدم فيه كل من روسيا والصين الشعبية في كثير من المواقع، وبخاصة في قارتي آسيا وإفريقيا جاز لنا القول إن تغيرات دراماتيكية في موازين القوى الدولية قد بدأت تأخذ مكانها. وسينعكس ذلك بالتأكيد على شكل النظام الدولي المرتقب. فحقائق القوتين الاقتصادية والعسكرية ستفرض استحقاقاتهما في مجال السياسة وصراع الإرادات وبروز تعابير جديدة لمفهوم الهيمنة.

وقد لا نأتي بجديد حين نؤكد أن ما لدينا الآن من مؤسسات ناظمة للعلاقات الدولية هو نتاج مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ومنذ ذلك التاريخ سالت مياه كثيرة وتغيرت معادلات في مفاهيم القوة وقد حان للقوى الجديدة الصاعدة أن تطالب باستحقاقات تكافئ حضورها القوي الراهن في معادلة القوة، وطبيعي أن تكون هذه الحقائق في القلب من مخاض الولادة الجديدة للنظام العالمي حيث ينتظر أن يكون للهند وألمانيا والبرازيل واليابان وجنوب إفريقيا دور مهم في تشكيل النظام الدولي الجديد.

سيشهد عامنا الجديد انفراجاً كبيراً في الأزمات المحلية والإقليمية والدولية، لكنه من جهة أخرى سيشهد تصاعداً ملحوظاً في الحركات الاحتجاجية من أجل مستقبل أفضل.. تضيق فيه الفجوة بين الغنى والفقر. نشهد مثل هذه الحركات الاحتجاجية الآن في السودان والأردن ولبنان، وفي حركة «السترات الصفراء» في فرنسا. إن الدرس الذي تقدمه لنا هذه الحركات الاحتجاجية هو أن الحرية السياسية ليست كافية لوحدها لتحقيق الأمن والسلم الاجتماعيين إن لم تعزز بالعدل الاجتماعي والمساواة في فرص العيش الكريم. لقد حان الوقت لأن تزاوج المجتمعات الإنسانية بين مبدأ العدل الاجتماعي والحرية السياسية وأن تدرك أن غياب أحدهما سيكون مؤداه سيادة الفوضى وانعدام الأمن. لا مناص من أن تعزز حالة الانفراج التي نشهدها الآن في الأزمات الإقليمية بالانتصار لفكرة الحرية والعدل الاجتماعي في الحقوق، من أجل عالم يكون أكثر تسامحاً وسلاماً وأمناً.