آخر تحديث: 25 / 3 / 2019م - 7:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الأثرياء والمسؤولية المجتمعية؟

عباس سالم

لا نعرف ما هي الأسباب التي وقفت أمام بعض الأثرياء في المجتمع للعزوف عن المساهمة في دعم المشاريع المجتمعية؟

إن قيام الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال بدورهم تجاه المسؤولية الاجتماعية يضمن إلى حد ما دعم جميع أفراد المجتمع والمساهمة في سدّ الكثير من احتياجاتهم ومتطلباته الحياتية والمعيشية الضرورية، وإذا أخدنا الغرب مثالاً فهناك مئات الأثرياء يتنافسون على التبرع بأموالهم للفقراء والمرضى وللمدارس والجامعات، ومنهم من يتبرع بكل ثروته للأطفال والشباب من ذوي المواهب والذكاء الراغبين في التعلم وبالخصوص التخصصات المستقبلية في التكنولوجيات الحديثة، فأين الأثرياء في مجتمعنا؟

في مجتمعنا لم نسمع أحداً من الأثرياء رجلاً كان أو إمرأة تبرعا ولو بالقليل من ثروتهما لتشييد مدرسة أو مركز صحي أو هلال أحمر أو حتى لدعم الجمعية الخيرية التي تدعم الفقراء والمساكين! لكننا نسمع عندما يتوفى رجل ثري في المجتمع بأن ثروته قد بلغت ملايين الريالات وأن حصر الإرث لازال معلقاً في أروقة المحاكم لحين اتفاق الورثة على إرثهم، وكذلك سمعنا أن الأثرياء يستثمرون أموالهم في البنوك الأجنبية لمضاعفة أرباحها، ولعل هذه الأموال لو استثمرت في مشاريع تنموية في الداخل لنفعت البلاد والعباد.

عندما تنحرف بوصلة التجار والعقاريين والكثير من أصحاب رؤوس الأموال عن الطريق الصحيح، ويصبحون محتكرين باذخين جشعين يعيشون حياةً أساسها الاستحواذ وهدفها الملذات، مع أنهم لم يحسوا بالسعادة الحقيقية لأن حياتهم سيطر عليها الهوس بالبحث عن المزيد من كسب المال، وليعلموا إلى أن السعادة الحقيقية هي في السعادة الداخلية المرتبطة بالقناعة والتواضع والإحسان للآخرين.

هناك أمثلة كثيرة تتحدث عن أثرياء في هذا العالم خلدها التاريخ وشهد لها العالم أمثال: أغنى رجل في العالم «Gates» الذي تقدر ثروته التي جناها من شركة Microsoft ب 81 مليار دولار. وقد أسس هو وزوجته Melinda، حملة The Giving Pledge وصرح مرارا بأنه سوف يتخلى عن 95% من قيمة ثروته لصالح الأعمال الخيرية، وكذلك الرجل «Zuckerberg» البالغ من العمر 30 عاما من أصغر المليارديرات في العالم وقد جنى ثروته من شركة Facebook التي أسسها، ومنذ انضمامه لحملة The Giving Pledg، تبرع ب 18 مليون سهم من شركة Facebook بقيمة 500 مليون دولار لمؤسسة سيليكون فالي الاجتماعية و100 مليون دولار أخرى للشركات الصغيرة التي تعنى بتطوير المدارس التعليمية، وأما «Buffet» الذي يمتلك ثروة تقدر ب 58,5 مليار دولار إلا أنه لا يزال يقطن منزله القديم الذي اشتراه في عام 1958 مقابل 31,500 دولار. وقد تعهد بالتبرع ب 99% من ثروته للأعمال الخيرية وغيرهم الكثير، فهل يجد ذلك صدى لدى أغنيائنا؟

في بلدتي جزيرة تاروت وفي محافظة القطيف وقراها دمرت المزارع وجففت المياه ودفنت السدود، وأن سماسرة العقار مشوا وراء مخطط تخريبي لتخريب الطبيعة، وتحويل المنطقة إلى رقعة أرض صحراوية خالية من الأشجار والنخيل وغيرها، وقاموا برسم المخططات العمرانية على الأراضي الزراعية والبحرية، وحولوها إلى مخططات سكنية تفتقر إلى كل الخدمات الأساسية، ولم يعطوا قطعة أرض واحدة في أي مخطط لتقديمها إلى المسؤولين في الدولة لإنشاء أي من المراكز الخدمية المهمة عليها، كهلال أحمر أو مدرسة أو مركز صحي كما هي الحالة المعمول بها في اعتماد المخططات الحكومية، بل أصبحت هذه المخططات عبئاً على كل الخدمات المجتمعية القائمة في المناطق القديمة القريبة منها.

تختلف المسؤولية المجتمعية باختلاف وجهات النظر في تحديد شكلها، فالبعض يراها بمثابة تذكير لأفراد المجتمع بالقيام بمسؤولياتهم وواجباتهم إزاء مجتمعهم الذي ينتسبون إليه، بينما يرى البعض الآخر أن مقتضى هذه المسؤولية لا يتجاوز مجرد مبادرات اختيارية يقوم بها صاحب الشأن بإرادته المنفردة تجاه المجتمع، ويرى آخرون أنها صورة من صور الملاءمة الاجتماعية الواجبة على كل فرد في المجتمع.

لا يمكن الحديث عن المسؤولية الاجتماعية بدون الحديث عن أخلاقيات أفراد وجماعات ومؤسسات المجتمع، في التعامل مع المسؤولية الاجتماعية في الإطار الإنساني الذاتي، والذي ينبع من مدى احترامهم لهذا المبدأ الإنساني، والذي من أجله نهضت مجتمعات وتقدمت، بفعل أواصر الترابط والتماسك السائد بين أفراد المجتمع الواحد.

خلاصة الكلام هي أن بعض الأثرياء وسماسرة العقار وأصحاب رؤوس الأموال في المجتمع، يعيشون حياة أساسها الاستحواذ وهدفها الملذات، لكنهم مع ذلك لم يحسوا بالسعادة الحقيقية أو الاكتفاء قط، لأن حياتهم سيطر عليها الهوس بالبحث عن المزيد من رصد الأموال، إلى أن يفيقوا ويعرفوا أن السعادة الحقيقية هي في السعادة الداخلية المرتبطة بالقناعة والتواضع والإحسان للآخرين.