آخر تحديث: 22 / 8 / 2019م - 6:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

الخبز الحافي والحرية المستحيلة

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

كتب الأديب المغربي محمد شكري روايته «الخبز الحافي» في 1972. لكنه أخّر نشرها حتى 1982. خلال هذه السنوات العشر، ترجمت ونشرت بالفرنسية والإنجليزية، ثم نشرت في 35 لغة أخرى.

ربما كان خروج الرواية عن مألوف الكتابة العربية، عاملاً في اشتهارها على مستوى العالم. وهذا لا يقلل - على أي حال - من قيمتها الفنية الرفيعة، وما أظهره الكاتب من قدرة فائقة، في عرض تفاصيل الحياة اليومية لمجتمع غارق في الفوضى.

أثار اهتمامي في الرواية تصويرها إشكالية التصارع بين الغرائز والخيارات العقلانية. وللمصادفة فقد قرأتها في وقت كان ذهني مشغولاً بجدل المفاضلة الشهيرة بين الخبز والحرية، وإمكانية تحقيق الحرية الفردية في غياب الضرورات الأولية للحياة، وما يقابلها من اعتبار الحرية شرطاً لتمكين الفرد من أخذ حياته بيده، بدل انتظار من ينعم عليه بلقمة العيش. كانت هذه الجدالات الفلسفية الطويلة، ترتسم في ذهني مثل خطوط على سبورة، وأنا أتنقل بين صفحات حياة شكري، التي صاغها دراما مفجعة في روايته.

أعلم أن معظم الناس سيميل للرؤية القائلة إن الحرية أمر ثانوي عند إنسان جائع. وهي رؤية اتخذها الماركسيون منطلقاً للتنديد بمفهوم الحرية الليبرالي، مقابل المساواة التي اعتبروها ذروة القيم الناظمة للحياة الاجتماعية ومبدأ العدالة.

أعلم أيضاً أن معظم المدافعين عن أولوية الحرية، ينتمون لمجتمعات لم تذق ألم الجوع، وما يرافقه من شعور عميق بانكسار النفس وذبول الأمل في الحياة.

القائلون بأولوية الحرية يعرضون بدورهم أدلة، يصعب المرور عليها دون تأمل عميق في محتواها. ولعل أبرز هذه الأدلة، هو ذلك الذي يربط بين تحرر الإنسان وتبلور قابلياته الذهنية. يستطيع الإنسان - وفقاً لهذه الرؤية - تدبير حياته إذا تحرر من العوائق التي تعطل عقله أو تكبح إرادته. بل هو قادر على التحرر النهائي من خطر الجوع واحتمالاته. نذكر مثلاً أن ملايين البشر فقدوا حياتهم في المجاعات التي ضربت العالم في القرون الماضية. لكن هذه الظاهرة تقلصت بشكل كبير في الخمسين عاماً الماضية. وكان آخرها مجاعة الصين الكبرى، التي حصدت 30 مليوناً بين 1958 - 1961. وتقدر «الأمم المتحدة» أن المجاعات حصدت 75 ألفاً من البشر في كل عام خلال العقود الخمسة الأخيرة. وهذا يعادل 10 في المائة من ضحايا السنوات السابقة، رغم أن عدد سكان العالم يزيد على ضعف ما كان عليه قبل نصف قرن.

هذا التطور لم يأتِ بشكل تلقائي. بل نتيجة لجهود البشر في توفير الغذاء. وهو يؤكد قابلية الإنسان لتدبير حياته، واحتواء ما يواجه من تحديات، إذا تحرر ذهنياً وجسدياً مما يكبح إراداته أو يعطل فاعليته.

الفارق في مستوى المعيشة مثال آخر على كون الحرية علة للتقدم، أو على أقل التقادير، كونها عاملاً محورياً في الارتقاء الاقتصادي، حيث نجد أن سيادة القانون وحمايته للحريات العامة، قاسم مشترك بين المجتمعات المزدهرة صناعياً واقتصادياً. كما أن ضعف المنظومة القانونية الضامنة للحريات، قاسم مشترك بين الاقتصادات الأقل ازدهاراً. ومعنى الحرية المقصود هنا هو - على وجه التحديد - تعدد الخيارات وحرية الإنسان في الاختيار.

المسألة التي تثيرها رواية «الخبز الحافي» هي تقلص خيارات الأفراد أو حتى انعدامها، بحيث لا يعود الإنسان قادراً على التحكم في حياته أو تحديد ما يريد وما لا يريد. ليس نتيجة للاستبداد، بل نتيجة للفوضى وتدهور الرابطة الاجتماعية. وتلك قصة أخرى ربما نعود إليها لاحقاً.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.