آخر تحديث: 16 / 2 / 2019م - 10:03 م  بتوقيت مكة المكرمة

سافر مع فكرة..

زينب إبراهيم الخضيري صحيفة الرياض

غريزة المقاومة والمناورة عند الإنسان موجودة منذ الأزل، وعندما تكون كاتباً تلبسك روح البحث والفضول والتصادم مع كل ما هو مألوف ورتيب ومكرر؛ لأن الكتابة مساحة فكرية للتوغل في الكون والنفس البشرية والبحث في شؤونها ومكنوناتها، وما الكتب التي نقرؤها إلا محاولات للكاتب للخروج من مأزق العالم الواقعي إلى عالم فضاؤه أوسع وأرحب، فالمعاني الإنسانية التي تحتويها الكتب ما هي إلا هروب للإنسان من الداخل من أجل محو أي ألم نتعرض له في الخارج، وقد نبدع في فكرة الهروب، فقد نسافر مع فكرة، أو نعيش مع أبطال قصة أو رواية، فتتسع دائرة الذات الإنسانية عند لجوئنا إلى أقصاها المتخفي، لأننا نكتب للإنسان وحزنه، أفراحه وأتراحه، هنا تكون ساعة الذات الإنسانية للكاتب ضبطت على توقيت العمق.

فعندما تكسب فكرة أو إنساناً تتفهمه وتحتويه فأنت تكسب وطناً، وعندما نوقد ناراً لنزيل وحشة أرواحنا داخل هذا العالم الأعمى المشوش، فثمة مد في شؤون البشر كالمد في البحر، لأن الكاتب يتعرض لوابل من الانتقادات والأضرار، ولكنه بالتأكيد مؤثر على من حوله؛ لأن لديه رؤية تعني الالتزام بالقضايا التي تهمنا ونجمع عليها، وعندما ينتقد الكاتب وضعاً أو فكرة، فالنقد في النهاية ما هو إلا إبداء الرأي من قبل المثقف فهو حق يمارسه ضمن انتمائه وتفاعله.

ومن ضمن إطار حركة نقد الذات الذي نفتقده في معالجتنا لمجمل قضايانا الاجتماعية والاقتصادية، ومن أجل وعي الإنسان سيبقى التعبير مهما كان شكله، فالحقيقة موجعة دائماً ومؤلمة، ولكن المكاشفة ضرورية من المثقف والكاتب، لذلك حتى لا يقهرك التيار، لابد من ركوب أمواجه ولكن بشكل متأنٍ، فالمستقبل ضمير مستتر يجب أن نطرقه بحذر ودون أحكام مطلقة فهو يحمل عدم التأكد لأن الأمس ليس فيه ما يفاجئنا، ولكن الذاكرة ترسب وتصفي الأسماء والأعمال والمواقف ولا يبقى إلا ما يستحق.

إن تعقد تركيبة النفس البشرية تمثل مصفوفة من التحديات والصعاب التي يواجهها كل فرد يومياً داخل نفسه، ومن أجل إعداد نفس سوية متوازنة، يتطلب نسف كل الصور التي رسمناها عن أنفسنا وعن غيرنا، وإصرارنا على التشبث بما نعتقده، بنفس المنوال ونفس الأسلوب الذي نستخدمه كل مرة في التفكير هو أول خطوة تستبعد نجاحنا، ولنصل إلى أعلى مستوى من مستويات الخبرة الإنسانية علينا أن نؤمن بالتغيير، ونجعل عقولنا أكثر مرونة، ولنسطر تفاصيل قد تغيب عنا في زحمة الاغتراب في فيافي الذات، هناك أشياء تأتي من أعماق لا وعينا، لا عقلانية، سطحية، متناقضة، هل نستطيع تفسيرها؟ لنبتعد قليلاً عن صراط التساؤل والحيرة، ولنوغل في أرض الإنسان مع كلمات جُلّ همها الوضوح وإزالة اللبس عما نشعر به حتى آخر نسغ، لذلك تأتي الكتابة كترياق لأرواحنا التي أرهقها العدْو طويلاً في طرقات الحياة.