آخر تحديث: 16 / 2 / 2019م - 10:03 م  بتوقيت مكة المكرمة

«حدائقَ ذاتَ بهجة»

ليالي الفرج * صحيفة الرأي السعودي

‎ يتفرد علم الجمال بفلسفة ضاجَّه بمعالم ساحرة للنفس، لا يمكن ربطها بجانب واحد من الحواس لدى الفرد، فنجد العلاقة بين الحس الجمالي الذي يغازل ميل النفس نحو فوضى الجمال المرسومة بريشة الابداع الساحرة وبين تجلّي النفس في مساحة من الهدوء الداخلي والذي يُعزّز فيها بقعة الارتواء الجمالي وليس عبثاً أو مجرد مصادفة أن نجد للقرنفل مسميات في معاجم اللغة مثل اسم نبتة “الستّ المستحية”، أو “النبتة الخجولة”، فالتسمية مأخوذة من حركة هذه النبتة العشبية التي تعبّر عن طبيعة الإحساس فيها، بميل وريقاتها للانطواء، نتيجة حساسيتها لأي عملية لمس تقابلها.

‎ومن أجلى المقامات الحسيّة والوجدانية عند الإنسان هو ميله إلى الأشجار والطبيعة التي تتوزع بين رابية خضراء وأفياء تتقاسم المشهد البانورامي فيها سواقي المياه ويبدو إيقاع النوافير التي تتوسط الحدائق الغنّاء باعثاً لإحداث طلاقة نفسية وسعادة، وهو ما يعبّر عنه كضرورة حيوية ونفسية وصحية في مجتمع المدن الحديثة.

‎ولعل معظم ما تطلق عليه أمانات وزارة الشؤون البلدية والقروية مسمى حدائق، نجده لا يتجاوز مكونات المسطحات العشبية الخضراء، الذي لا يمكنه أن يحقق مسمى الحديقة الشاملة التي قد تكون من مصاديق الوصف القرآني الكريم للحدائق “حدائقَ ذاتَ بهجة”.

‎كلود مونيه الرسّام الفرنسي الشهير، وصاحب اللوحة الجميلة “نساء في الحديقة” التي يعبّر عنها بأنّ لوحته هذه أجمل لوحة يحبّها، وفيها تظهر أغصان الأشجار التي تسدل ظلالاً بديعة في توزيع لمنظر يحلّق بالبهاء لدى مرتاديه، وأظن أن “مونيه” لا يمكن أن يقبل أن يسمي مسطّحاً أخضراً بأنه حديقة، دون أشجار ومياه وظلال.

‎واقع المجتمعات الحديثة، بظروفها الحياتية وانشغالاتها العملية الكثيفة والمتفرعة، يكشف عن الحاجة الماسّة لتكون حدائقنا ذات بهجة، لكل الاعتبارات النفسية والذهنية والاجتماعية والثقافية التي تتمازج في وحدة عضوية تقوم بوظيفة مركزية دائرتها الإسعاد وإرواء النفس بجمال الطبيعة وكسر الرتابة النمطية.

‎ولسنا في حاجة للحديث كثيراً عن أنواع أشجار الظل، وتصاميم حدائق الزهور فإن ذلك يُعدّ في ظل التقدم الهندسي والمهني في هذا المجال ونحوه من الممكنات اليسيرة. ومَن لا يتوق إلى أن يكون في مدننا الكبيرة والصغيرة أكثر من حديقة جاذبة مُبهجة للنفس، وفي وسطها مكتبة قراءة مركزية، وقاعة عروض متنوعة ومرسم فني مفتوح.

‎إننا نتطلع لقطع مسافات عامرة من الإنجاز الحضاري والبناء المعماري النموذج، وكيف لا! وَنَحْنُ في عصر بناء وتخطي لكل ألوان الركود الزمني والتقليدي الجامد، وعبر تجليات الرؤية الميمونة ،2030 نسير في أن تحظى كل مدينة من مدننا وكل حي من أحيائنا، نموذجاً مُتقناً، متقدماً من الجمال، في المظهر والمحتوى المادي والمعنوي، فتغدو حدائقنا حدائق ذات بهجة.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.