آخر تحديث: 23 / 8 / 2019م - 7:11 ص  بتوقيت مكة المكرمة

يساورني قلق.. فإلى أين؟

التفكير السلبي يعني انطلاق العقل في استحضار صور الماضي واجترار الآلام، أو التجول بين أروقة المستقبل والتفتيش عما ينتظره فيه من مشكلات تعرقل خطاه وتثبطه وما سيواجهه من معوقات، أو محطات نجاح وتقدم وتملأ الفؤاد مسرة وارتياحا.

الماضي رحل ولم يتبق منه إلا دروس يعتبر منها، والمستقبل له عوامل ومؤشر اتجاه لا يعلم مجرياته، وعليه الاستعداد والتسلح بالروح المتفائلة والصبر في مواجهة التحديات، وأما القلق الزائد والاضطراب النفسي الناشيء من مخاوف لا أرضية لها فهي أوهام تعصف بكيانه، وتصيبه إما بالهيام خلف الآمال الطويلة ذات الأهداف الكبيرة والتي لا تتناسب مع قدراته ومستواه، وإما يداهمه الخوف والتقلب بين صفحات الخيالات والهواجس حتى يتملكه التردد والإحباط.

وأما القلق الطبيعي الإيجابي فهو المتزامن مع العمل المثابر وبذل الجهود ومسح حبات العرق ترقبا لما تؤول إليه النتائج، فهو محمود ودليل وعي ويشكل يقظة الروح والضمير وله آثار حسنة على الفرد، فالقلق الزائد يمثل مرضا خطيرا يودي بصاحبه إلى الردى والهلكة والشلل الفكري والتخبط العملي، ولابد من التخلص منه حتى ينجو المرء من الازدواجية والانفصام ما بين عالم الخيال الوهمي وبين واقع مختلف تماما، لا يحتاج منه إلا الاتصاف بالمنطقية والعقلانية والهدوء في التفكير واتخاذ الخطوات والقرارات، فالصورة الواضحة الشافة والحاكية عن الواقع مطابقة بلا رتوش زائدة أو ناقصة مطلب ومنطلق مهم حتى لا يتوه الفرد بين مسارات الحياة المختلفة، فيقف حائرا لا يدري إلى أين يتجه بعد أن أعيته السبل، أو يتخبط في كل يوم أو مرحلة يقطعها فلا يبصر إلا مزيدا وإمعانا في الأخطاء.

فالقلق الحسن عين بصيرة على المآلات بعد أداء المطلوب، فإما أن تظهر بنحو من القصور والنقص بسبب معين عليه أن يفتش عنه ليصححه ويبدأ في محاولة جديدة، وإما أن تكون الحصيلة كما خطط وعمل وعليه الحفاظ على هذا الرصيد، والذي ينبغي أن يتجه باستمرار نحو الصعود لا التحرك نحو مؤشر النزول والهبوط، فلعله في نشوة النتصار الوهمي بخطف النجاح في خطوة أو مرحلة ما، ينبري لما بعدها بقلة مبالاة وضعف إعداد وخطأ تقدير للمعوقات فيخسر ما بعدها من جولات، فالحياة ميدان تفكير ومنطق يتطلب الحكمة وعمل يتزين بالجدية والاجتهاد، ولذا لابد لعينه أن تبقى متيقظة ومراقبة بلا أدنى غفلة، فهناك عدو يتربص به الدوائر ويتحين الفرص ولا يحتاج منه إلا لغلطة أو أكثر ليسقطه على أرض الإخفاق أو الوهن، فلنا عدو يخادعنا ولا يمل من بث التسويلات وخواطر السوء.

المخاوف على نجاحك وتحقيق أهدافك ومضة مشرقة في النفس، تدعو للحذر من التهاون والكسل والعجلة في بزوغ النتائج، وتحول يومه إلى جزء بسيط من مشوار غاياته وآماله التي لا تقف ولا تتثاءب، فإشراقة شمس يوم جديد تعني له الكثير من العمل الذي ينبغي إنجازه، ومرحلة من التحدي والمواجهة وبناء القدرات وواجهة شخصيته القوية.

والقلق مما يكون وينتهي إليه مصيره يمثل قمة التوازن والحفظ والوقاية، فختام حياة المرء تتأرج بين المسك والسوء وما بينهما مستويات متعددة، ولتحصيل الطمأنينة وهدوء النفس عليه الحذر الدائم من خطط الشيطان وخطواته، فلا سلام ولا أمان مع ممارسة ومقارفة الخطايا وتكرارها الذي لا يتعقبه تأوه وأنين وتوبة، فسوء العاقبة مجرد تصوره يثير في النفس هاجسا كبيرا وتسري في البدن قشعريرة، فمن وضع نصب عينيه العذاب الأخروي لم ييأس ولكنه يستحث الخطى بكاشفية بصيرة نافذة، ويهرع إلى أبواب التوبة المفتوحة على مصراعيها إن أجرم في حق نفسه.