آخر تحديث: 21 / 2 / 2020م - 2:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

الاختلاف والتغذية الراجعة

رجاء البوعلي *

إن نشأة الفرد وتغذيته الفكرية منذ الطفولة أمر في غاية الأهمية، حيث أن معتقدات المُربي وأفكاره وقناعاته تنتقل إلى الأبناء لا إرادياً في معظم الأحيان، وفي أحيان أخرى فإن هذا يحدث بمحض الإرادة والتعمد، وفي كلا الحالتين يكون المُربي سبباً رئيسياً في توريث هذه القناعات والأفكار ونقلها عبر الأجيال الواحد تلو الآخر.

و مع ثورة التطور التي طالت جميع الناس باختلاف طبقاتهم، تطور تفكير المُربيين فصاروا يهتمون جداً بتوعية أبنائهم منذ الصغر بأهمية العلم والصحة، وتعدى ذلك إلى أن اتجه البعض إلى دراسة النفسيات والشخصيات رغبةً في تطوير الذات، ومما لا شك فيه أنه أمر رائع أن تكون هذه النقلة الفكرية عبارة عن نقطة تحول تأخذ المجتمع إلى القمة، فتصنع فيه جيلاً متعلماً، موهوباً ومُفكراً.

لكن الحقيقة دائماً مُرة ومليئة بالنقائض، حيث أن بعض هؤلاء الُمربيين الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية تنشئة الأجيال وغرس الأفكار المُثمرة في عقولهم الخصبة، نسوا أن يعلموهم درساً بسيطاً وهو« احترام الاختلاف» وكيفية تقبله والتعايش معه في سلام، فهذا الآخر هو دعامة أساسية لبناء مجتمع مُفكر ومُتحضر.

والمصيبة العُظمى حينما يكون المُربي ليس غافلاً أو ناسياً بل أنه واعياً لما يقوم به، حيث أنه يتعمد توريث هذا التعصب والتطرف، ليصنع جيلاً مُتطرفاً لا يقبل الاختلاف ولا يحترمه أصلاً، مع أنه يؤمن بأن الله هو من أوجد الاختلاف بين الناس لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ «الروم: 22».

و مما يجدر الإشارة إليه أيضاً، أن هناك فئة ثالثة، تعهدت بالتربية وأتقنت ذلك، فلم تُسرف في جانب على حساب الآخر، بل أنها أعطت كل ذي حق حقه، فقد تركت لنا جيلاً واعياً، مفكراً، عارفاً بآداب التعامل مع الآخرين وقادراً على التعايش مع الاختلاف بكل حب وسلام.

أمر صحي أن يتكاثر هؤلاء المربون بيننا، فهم يؤمنون بأن الاختلاف فرصة للتعارف والتآلف والتعاون وبناء مجتمع صاعد بفكره قبل كل شيء. فمن قناعاتهم الواضحة التحرر من الموروثات الجاهلية التي تقف عائقاً في طريق التقدم والتطور، وحائلاً عن وصول الإنسان إلى مستوى فكري وأخلاقي رفيع، حيث أنهم يؤمنون بأن لكل فرد خارطة عقلية مستقلة، تجعله يرى الأشياء من منظور يختلف عما يراه الآخر، ولهذا هم يحترمون الاختلاف.

خلاصة الحديث أن المجتمع يحتوي على كل هذه الفئات من المربيين، وبالتالي فهو مزيج مختلف من الأفراد، منهم من يبني المجتمع ومنهم من يهدمه، فكل ما وصلنا إليه اليوم في مجتمعنا ما هو إلا حصاد التنشئة سواء كانت سليمة أم لا، فقد صدق الشاعر حينما قال:

حسبكم هذا التفاوت بيننا... وكل إناء بالذي فيه ينضح.