آخر تحديث: 18 / 2 / 2020م - 8:17 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قراءة تأملية فى خطاب الإمام الحسين يوم عاشوراء

أحمد علي الشمر *

لاشك أن خطب الإمام الحسين فى يوم عاشوراء، تعد أحد أركان وأضلاع مكونات الثورة التى فجرها ضد طغاة الحكم الأموي الظالم.

وقد تجسد بروز مضامين أهم هذه الخطب الثورية مع تصاعد حدة المواقف الغاشمة، التى واجهها الإمام على خلفية دعوته للإصلاح ورفضه للمبايعة الأموية، وقد توضحت أبرزصورومشاهد هذه الخطب فى خطبته يوم عاشوراء، وحينما كان الحسين يواجه الموت وهو يقف بكل صلابه وشجاعة مع ثلة قليلة من أنصاره وأهل بيته أمام تلك الجموع الكبيرة من القوى المعادية التى جاءت وإجتمعت وتكالبت لمحاربته وقتاله، بقيادة عمر بن سعد، الذى قاد هذه الجموع لمواجهة الحسين.

ولاشك أيضا بأنها كانت خطبة تاريخية خالدة مزلزلة وفريدة فى حقبة تاريخ خطب القادة والزعماء القلائل الذين خلدهم التاريخ، وحتى بقيت آثارزلزالها الثوري المدوي والخالد مستمرإلى اليوم، مهددا بدك عروش الطغاة والظالمين والفاسدين والمنحرفين، كما كان ومازال صدى وبعد وعمق تأثيرمفردات معاني كلماتها البلاغية والفلسفية والمنطقية والإعلامية بمنطق العصرمثارإعجاب ودهشة إلى اليوم، من قبل كثيرمن المفكرين فى الشرق والغرب، الذين أعدوا وكتبوا وقدموا لها الكثيرمن الأعمال الفكرية والبحثية والدراسية بجميع اللغات، التى تناولت تشريح وتقريض أبعاد قوتها وفلسفتها ومنطقها البلاغي والإعلامي المؤثر.

وبذلك تمثل خطب الحسين فى هذه الثورة ركنا هاما لمسيرة كفاحه وجهاده الإصلاحي ضد الطغاة والفاسدين من حكام الدولة الأموية الظالمة، وتعد نموذجا فريدا لمنظومة فكرية مستقلة، وفريدة فى تكوينها ونوعها الإنشائي واللغوي والبلاغي، وإلى حد يفوق التصورويعجزعنه الوصف، وهي رائعة من الروائع الأدبية والفكرية الناذرة فى القاموس الفكري والأدبي القديم والحديث نثرا وشعرا، كما يصفه الكثيرمن المفكرين والعلماء فى العالم الإسلامي، وأرى من هذا المنطلق أنه لايمكن من وجهة نظري تقييم ووصف منجزها ومشروعها الفكري بنفس أساليب القوالب المعروفة فى التعاطي الأدبي والفكري الكلاسيكي المتداول والمطروح فى الساحات الأدبية الحديثة.

وأعتقد أيضا فى هذا بأن مضامين وقوالب ماجاء فى هذه الخطب «الإنشائية والبيانية» لاتحتاج منا إلى أي تعليق أومدح أوثناء أوإطراء على قيمتها الإبداعية، فهذه الخطب تفرض نفسها، وتعطي المتتبع والدارس والباحث مدلولات واضحة للمشاهد التسجيلية النوعية المبهرة والفريدة، وتنقل إليه صورة واضحة وبليغة للمتحدث، وبأنه كيان مختلف عما ألفه من قبل فى مثل تلك الخطابات التقليدية الحديثة أوحتى المتأخرة فى العهود السابقة.

وأود هنا أن أشيرإلى تنويه هام حول الموضوع، وهوأن هذه القراءة المتواضعة، تتناول فقط بعض أجزاء مقتضبة ومختصرة ومجتزئة ومأخودة من بعض أهم خطبه فى يوم عاشوراء، وبحسب ترتيب إيجازها من بعض مراجعها ومصادرها المعروفة، وقد خصت أبرزالجوانب الهامة مما ورد فى هذه الخطب، وخاصة أهم ما تناقلته مصادرخطبه فى يوم عاشوراء.

والحقيقة أن المتتبع لهذه الخطب القيمة والمتفردة فى لغتها وإشاراتها يلحظ بوضوح تام أهمية النماذج والدلالات البارزة فى قيمة هذه الخطب، والدالة على عمق وبلاغة وفصاحة وقوة مضامينها ومحتواها، وما تعكسه من تأثيرات، وخاصة ماتركته من إنعكاسات فى نفوس الكثير من رواد الفكرالإسلامي والمهتمين بمتابعة ودراسة هذه الخطب، يقول أحد الكتاب المهتمين بثورة الحسين.. إعتمد الحسين على قوة المنطق، لبينما إعتمد عدوه على منطق القوة، فلما سقطت قوة عدوه إنتصر منطق الحسين وكان إنتصاره أبديا.

ويقول آخر: فتح الإمام الحسين كتابا صيغ بدمه وعرقه أمام المجتمع كله لينهل منه حسب قابليته.

وقيل فى السياق نفسه، أراد الحسين أن تكون ثورته ثورة حق ضد الباطل، وثورة الإسلام كله، ضد الشرك كله.

وحينما نتابع تفاصيل وقائع هذه الخطب، نكتشف حقيقة أن كل ماقيل عن الحسين من أقوال دونتها أقلام المفكرين والباحثين، لاتفي بحقه، فالحسين مشروع كبيرليس بوسع أحد أن يفيه حقه، ولكنها على كل حال مجرد إجتهادات خيرة، تصب فى خدمة الحسين وأهل بيته الطيبين الطاهرين، صلوات الله وسلامه على نبينا الكريم وعليهم أجمعين، ونسأل الله تعالى أن يتقبلها فى موازين أعمالهم.

وأما مواقف الأحداث فى التسلسل الدرامي لسيناريو خطبه القوية فى كربلاء يوم عاشوراء، فسنجدها تتجلى بداية فى خطبته الأول كما تذكر المصادر، وبدايتها حينما إمتطى الحسين راحلته «فرسه» ونادى بصوت عال موجها حديثه لجيش عمر بن سعد سمعه جلهم وقال لهم.. «أيّها الناس اسمعوا قولي، ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حق لكم عليَّ، وحتّى أعتذرإليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتهم عذري، وصدّقتم قولي، وأعطيتموني النصف من أنفسكم، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تعطوني النصف من أنفسكم، فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة، ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين»

وتشيرسيرة الحدث فى هذا السياق إلى أن النساء لمّا سمعن هذا منه صحن وبكين، وارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهن أخاه العباس، وابنه علياً الأكبر وقال لهما: «سكتاهن، فلعمري ليكثربكاؤهن»

ولمّا سكتن، تابع الحسين خطابه وحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمّد وعلى الملائكة والأنبياء، وقال في ذلك ما لا يحصى ذكره، ولم يسمع متكلم قبله ولا بعده ولا أبلغ منه في منطقه.

وتبدو هنا ومن أول وهلة رباطة جأش الحسين وشجاعته، من خلال هذه التوجيهات الصارمة الحاسمة، وتكمن أولا من خلال مبادئته فى الخطاب الذى وجهه لجيش إبن سعد بصورة حاسمة ومباشرة وهادئة فى ذات الوقت أراد الحسين من خلاله أن يعضهم، وقد رفع صوته ليسمعه الجميع وهو يقول لهم بكل هدوء ودون إنفعال، كما هوواضح من خلال لغة وصيغة الخطاب «أيّها الناس اسمعوا قولي، ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حق لكم عليَّ» ونجد أن الحسين هنا كان يريد من خلال ذلك إلقاء الحجة على القوم إبراء لذمته وتعريفهم بنفسه وبمكانته التى يجهلونها أويتجاهلونها، محاولا تذكيرهم بأسباب مقدمه لهم الذى جاء بدعوة منهم، «وليبين لهم بالتالي مصداقية قوله، فإن صدقوا قوله كانوا بذلك أسعد، وإن لم يصدقوا فعليهم أن يجمعوا أمرهم وشركاءهم، ثمّ لا يكن أمرهم عليهم غمّة، إلى أن يقول فى هذا.. ثم اقضوا إليّ ولاتنظرون، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين.

وهذا يبين دون ريب صورة الحسم فى موقفه المصيرى مع القوم من خلال إسترساله فى وعضهم بهذا الخطاب، وبالتالى ماتصوره مفردات كلاماته الحاسمة الفاصلة لهم بهذه المعاني الراقية فى سموها وبعدها المنطقي، قمة السلاسة والوضوح فى إنسياب كلماتها بصورة السهل الممتنع، فى لغة الخطاب وبلاغتة وقوته وفصاحته وسهوله فهمه فى ذات الوقت، وهذا أيضا، هوما أكده بالتحديد راوي السيرة الحسينية نفسه الذى وثق هذه المشاهد والصورالتاريخية الخالدة، وذلك حينما إشار إلى إستطراد الإمام فى خطابه الموجه لجيش إبن سعد، بعد أن أمربإسكات نسائه، بقوله أي الراوي أنه قال فى فحوى ومضمون ذلك الخطاب.. بما لا يحصى ذكره، ولم يسمع متكلم قبله ولا بعده ولا أبلغ منه في منطقه، ولاغرابة فى أن يقيم الخطاب من هذا المنظور، بأنه من أكثرالخطب فى التاريخ بلاغة وقوة ومنطقا وفصاحة.

وهذا الواقع بالتأكيدهونفسه ماعكس الحقائق الجلية الواضحة والملموسة فعلا لمصداقية هذا الخطاب عند إستطراد الإمام لخطابه لجيش عدوه، وهو يبين مايريد توضيحه لهم برفعة وسموتلك المفردات الفصيحة والبليغة مما تضمنته، والتى تبين ذروة الرقى فى بعدها وعمقها الديني والعقائدي والفكري، ومايتميزبه الحسين من حس ووعي وإدراك يعجزعنه الوصف، تضاف إلى جملة رصيده وقائمة موقعه ومكانته الدينية والعلمية، والتى تكون فى مجموعها كل المميزات الفريدة لباكورة التميزالتى خص وأكرم بها الله سبحانه وتعالي رسوله صلوات الله عليه وعلى آله وأهل بيته الكرام، من العلوم العقائدية والمعرفية بما يغطي حاجة المجتمع فى ذلك العصر، وكذلك بما يزيد فى سبقها لمختلف العصورالتى تلتها، وهو مايتضح الآن فعلا، ومن ثم لاننسى أيضا أبعاد وأعماق مواقف الإمام الدعوية والجهادية البطولية الإيمانية، فى مقارعة الطغاة والظلم والإنحراف الذى ساد فى ضل حكم إبن زياد، برفضه لهذا الوضع الشاذ الذى لايمكن السكوت والتغاضي عنه، بعد أن رأى.. ان الامر بالمعروف لا يعمل به وان المنكر لا يتناهى عنه.

ومن هنا جاء مصداقية قوله «إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما»

ولأجل ذلك كانت هذه الثورة لحسينية الخالدة، التى إنتصر فيها الحسين كعقيدة وكمشروع ثوري نهضوي لمقارعة الظلم والجوروالفساد، خلدها التاريخ للأجيال الطالعة لكي يستلهمون منها مستقبلهم المشرق.

وحينما نتتبع قراءة خطابه فى ذلك الموقف، نكتشف وبسهولة فائقة هذه السمات التى ينذرمن أن يماثلها أحد فى عطائها، وفى أوصاف وتفصيلات كلماتها ومفرداتها البلاغية والفكرية، وخاصة من خارج الدائرة المطهرة لشجرة أهل بيت النبوة فى ذلك العصر، ولذا فإني أؤكد جازما ومن هذا المنطلق وبحسب رأيي المتواضع، أن الحسين فى خطابه هذا، قد سبق عصره الذى كان يعيش فيه، ليس فقط فى صيغة وضع مفردات الكلمات والعبارت التى إحتواها مضمون الخطاب ووضعها فى موقعها وموضعها الصحيح والدقيق، ولكن أيضا فى قدرته الفائقة فى التوصيف البلاغي والمنطقي الحاسمين فى دقتهما وفصاحتهما، ولا أعتقد جازما أيضا بأن أحدا من المفكرين والعباقرة ورواد الثقافة والفكر، سواء فى العصورالتى تلته وحتى عصرنا الحديث قد جاء بهذه العبقرية الفذة فى نهجه ولغته الخطابية الفريدة.

ولكي نلامس عبقرية الإمام فى خطابه نتابعه، وهو يستأنف مخاطبته للقوم الذين كانوا يحيطونه من كل جانب.. فيقول:

«الحمد لله الذي خلق الدنيا، فجعلها دار فناء وزوال، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرورمن غرته، والشقي من فتنته، فلا تغرنّكم هذه الدنيا، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمرقد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم.

أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمّد ﷺ ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذرّيته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتباً لكم ولما تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم، فبعداً للقوم الظالمين»

ثم يتابع خطابه فى تشريح واقع الموقف الذى يثقف منه عدوه لقتله ظلما وعدوانا بعد أن جحدوا فضله وأنكروا عليه مكانته، متسائلا عن الأسباب التى جعلهم بموجبها يحلون فيه هدردمه وقتله، مبينا بأنه إبن بنت نبيهم وإبن وصيه وإبن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بماجاء من عند ربه..؟ وبأن حمزة سيد الشهداء هوعم أبيه، وأن جعفر الطيارهوعمه..؟ مستشهدا بشهادة قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله فيه وفى أخيه، بأنهما سيدا - شباب أهل الجنة - وأن هناك بينهم ممن يعرفه حق المعرفه، فلو سألوه سيخبرهم بصدق مقالته، فيشيرإلى جابربن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري وسهل بن ساعد الساعدي، وزيد بن الأرقم، وأنس بن مالك، فهؤلاء هم من سمعوا هذه المقالة من رسول الله ﷺ له ولأخيه، فيسألهم أما في هذه الشواهد والدلالات الواضحة من شفاعة أوحاجز يمنعهم عن سفك دمه..؟. فيوضح لهم جملة هذه الحقائق الدامغة من خلال إسترساله فى الخطاب قائلا:

«أيها الناس: انسبوني من أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، وانظروا هل يحل لكم قتلي، وانتهاك حرمتي، ألست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه..؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي..؟ أوليس جعفر الطيار عمي..؟

أولم يبلغكم قول رسول الله ﷺ لي ولأخي: «هذان سيّدا شباب أهل الجنّة» فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحق، والله ما تعمّدت الكذب منذ علمت، أنّ الله يمقت عليه أهله، ويضرّبه من اختلقه، وإن كذّبتموني، فإنّ فيكم من أن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبرونكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله ﷺ لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي..؟»

وفى هذا السياق وبينما كان الحسين يواصل توجيه خطابه فى تبيان المشهد العام لرسالته للقوم، يشيرالراوي فى تلك الأثناء إلى ظهور «الشمر» وهويقاطع الحسين قائلا - هو يعبد الله على حرف إن كان يدري مايقول - فييجيبه الصحابي الجليل حبيب بن مظاهرالأسدي ساخرا وموبخا - والله إنّي أراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك.

فيستمر الحسين بعد ذلك فى إستئناف خطابه قائلا:

«إن كنتم في شك من هذا القول، أفتشكّون فيّ أنّي ابن بنت نبيكم..؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم، ولا في غيركم، ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته..؟ أومال لكم استهلكته..؟ أوبقصاص جراحة..؟»

و هنا يبدوأن القوم قد بيتوا له النية وأصروا على غيهم وعنادهم فى الخاينة والغدرونكث مواثيقهم وعهودهم، فأخذوا لا يكلّمونه، فنادى الحسين : «يا شبث بن ربعي، ويا حجاربن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا زيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن أقدم، قد أينعت الثمار، واخضر الجناب، وإنما تقدم على جند لك مجندة..؟

فقالوا: لم نفعل.. فقال سبحان الله، بلى والله لقد فعلتم.

فقالوا: لم نفعل.. فقال : «سبحان الله، بلى والله لقد فعلتم»

ثمّ قال «أيها الناس: إذا كرهتموني فدعوني انصرف عنكم إلى مأمن من الأرض» فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بني عمّك..؟ فإنّهم لن يروك إلاّ ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه..؟

فقال «أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنوهاشم أكثرمن دم مسلم بن عقيل، لاوالله، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّفرارالعبيد، «اومثلي يبايع مثله - هيهات منا الذلة يابى الله ذلك لنا ورسوله وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثرطاعة اللئام على مصارع الكرام»

عباد الله إني عذت بربّي وبربّكم إن ترجمون، أعوذ بربّي وربّكم من كل متكبّرلا يؤمن بيوم الحساب»

الخطبة الثانية فى كربلاء

وما سطرته مضامين محتوى خطبة الحسين الثانية فى كربلا ء، وهي كذلك ضمن خطب عديده، وتأتي إستطرادا لذات المضمون التبليغي الرسالي للقوم الذين أحتشدوا لقتاله، وتعد هذه الخطبة كمثيلاتها من الخطب، وبكل المقاييس العلمية والفكرية، تعد رائعة من روائع الخطب التاريخية التراثية لهذا الإمام الجليل من رموزوأقطاب الأمة، آلا وهوأبي الأحراروسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي ، الذى فجر هذه الثورة، وهي أول ثورة عربية إسلامية خالدة فى تاريخ الإسلام، سطرمدادها بدمه الطاهروأهله وأصحابه فى ملحمة كربلاء الخالدة، ووثقها التاريخ ومصادرالمسلمين بحروف من نور.

وفى سياق ومضمون هذا الخطاب الذى أعرضه مفصلا لتكتمل صورة هذا المشهد الفريد لهذا الخطاب، نتعرف على المزيد من الحقائق عن خصوصية الإمام فى نهجه العقائدي الإصلاحي والدعوي الحازم والحاسم، فنجد من خلال مضامين مفرداته اللغوية، الصمود والقوة والحزم فى تفنيد الأكاذيب ودفع الحقائق للقوم، والرد على المتأولين والناكثين للعهود من الذين كتبوا له المكاتيب، وهم يطالبون بقدومه وإلإيحاء له بأيعان الثمارواخضرارالجناب، دلالة على تسوية الأمور، وبأن مقدمه سيكون على جند له مجندة أي أنهم سينضمون لثورته وتحت طاعته وإمرته، وقد خص هؤلاء بذكرهم بالإسم حين قال «يا شبث بن ربعي، ويا حجاربن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا زيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أن أقدم، قد أينعت الثمار، واخضرّالجناب، وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة..؟»

فلم يكن ردهم عليه، إلا بالكذب والنكران لهذه المواثيق بكل عنجهية وصلافة، بل ودعوته للإستسلام والجبن والخضوع من قبل أحدهم وهوقيس بن الأشعث، للنزول على حكم إبن زياد لمبايعته، والذى دفع إليه الحسين ، برد قاطع حازم حاسم قائلا: اومثلي يبايع مثله - هيهات منا الذلة يابى الله ذلك لنا ورسوله وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثرطاعة اللئام على مصارع الكرام لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرّفرارالعبيد.

وهناك تأكد للحسين مكروغدرهؤلاء القوم به وماتنطوي عليه نفوسهم الخبيثة من خداع وخيانه، وتخاذلهم عن نصرته والإنقلاب عليه لقتله، وكشف الحسين لهم نواياهم، مشخصا طبيعة ما ترجع إليه أصولهم الخبيثة فى الغدرواللؤم والخيانة، وتشريح هذا الواقع.

ودعونا أعزائي نستطرد فى هذه القراءة التأملية المقتضبة لنتابع أحداث تسلسل جانبا من نص بعض ما جاء فيما أصطلح عليه فى خطبة الحسين الثانية يوم عاشوراء، وهي بالطبع صورة مختصرة لأبرزماجاء فى ذات الخطبة، ولنترك التعليق مؤقتا، حتى لانفسد جمالية نصوص ومفردات محتواها من العبارات المضيئة، ولنلمس كيفية ترابط قواعدها ومراجعاتها واستشهاداتها المؤثرة، بصورة مبهرة، ولنعطي بعضا من الرؤى المتواضعة فى قرائتنا على هذه المشاهد المسجلة فى سيناريوهذا الخطاب بعد نهايته - مع ملاحظة الإنتباه لوجود بعض التداخلات فى نص بعض العبارات فيمابين الخطبتين الأولى والثانية من نفس المصدر.

تقول سيرة الحدث فى هذ الفصل من الخطبة، أن الإمام الحسين فى ذلك الموقف قد إمتطى فرسه، وأخذ مصحفاً ونشره على رأسه، ووقف أمام القوم وقال لهم:

ياقوم إن بيني وبينكم كتاب اللّه وسنّة جدّي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ثمّ استشهدهم عن نفسه المقدّسة، وما عليه من سيف النبي ودرعه وعمامته، فأجابوه بالتصديق، فسألهم عمّا أقدمهم على قتله - قالوا: طاعةً للاميرعبيداللّه بن زياد.

فقال : تباً لكم أيّتها الجماعة وترحاً أحين استصرختمونا والهين، فأصرخناكم موجفين، سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم فأصبحتم ألباً لأعدائكم على أوليائكم، بغيرعدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، فهلاّ لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن والرأي لما يستصحف، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا، وتداعيتم عليها كتهافت الفراش ثمّ نقضتموها، فسحقاً لكم يا عبيد الاُمّة، وشذاذ الأحزاب، ونَبَذَةَ الكتاب، ومحرّفي الكلم، وعصبة الإثم، ونفثة الشيطان، ومطفئي السنن، ويحكم أهؤلاء تعضدون، وعنا تتخاذلون أجـَلْ واللّه غدرٌ فيكم قديم، وشجت عليه اُصولكم، وتأزرت فروعكم فكنتم أخبث ثمرشجٍ للناظر، وأكلة للغاصب، ألا وإنّ الدّعي بن الدّعي «يعني ابن زياد» قدْ ركزبين اثنتين، بين السـّلة والذّلة، وهيهات منّا الذّلة يأبى اللّه لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحـُجورطابت وحجورطهرت واُنوف حمية، ونفوس أبية من أن نؤثرطاعة اللئام على مصارع لكرام، فسلام عليكم يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيا.

ألا وإني زاحف بهذه الاُسرة على قلة العدد وخذلان الناصر.. ثم انشد هذه الأبيات:

فإن نهزم فهزّامون قدما وإن نـُهْزَم فغيرمُهزَّمينا

وما ان طبنا جُبـْن ولكن منايانا ودولة آخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا

ويسترسل فى توجيه خطابه قائلا:

أما واللّه لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يركب الفرس، حتى تدوربكم دورالرحى، وتقلِقَ بكم قلق المحور، عهد عهدهُ اليّ أبي عن جدّي رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فأجمعوا أمركم وشركاء كم ثمّ لا يكن أمركم عليكم غـُمّة، ثمّ اقضوا إليّ ولا تـُنظرون إني توكلت على اللّه ربّي وربكّم، ما من دابة إلاّ هوآخذ بناصيتها، إنّ ربّي على صراط مستقيم.

ثم رفع يديه وقال:

اللّهم احبس عنهم قطرالسماء، وابعث عليهم سنين كسنيّ يوسف وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبـّرة فإنهم كذّبونا وخذلونا، وانت ربُّنا عليك توكّلنا وإليك المصير.

عبارات وكلمات ومفردات صيغت بماء الذهب، سهلة وبليغة، وعميقة وقوية وصلبة، وضعت نصوص كلماتها الموجهة لشخوصها فى مكانها وموقعها الصحيح، وقد إنطلقت بلسان عربي فصيح وكأنها تنساب من ماء رقراق، تلمس فى معانيها القوة، وفى نظمها الشعروالفلسفة والذكاء والمنطق والنفس الطويل، تم توظيفها بصورة إبداعية مذهلة، تنطلق بسرعة البديهة، ولكنها محكمة فى إستدلالاتها وإشاراتها الصارمة، وفى بناء روابط إستشهاداتها، وتأصيل كلماتها ومفرداتها، بذات الأهداف والأحداث والوقائع والشخوص المنوه عنها، وبصورة جريئة وقاطعة ومباشرة وجلية لاتقبل التشكيك.

وإجمالا أستطيع أن أقول أن خطب الحسين ، جاءت كمكون رئيسي لثورته ضد الظلم والفساد والعدوان أبانت بتفاصيلها جميع الأحداث المأساوية، حتى نهاية مقتله وأستشهاده وأهل بيته وأصحابة ، وكشفت فضائح الطغاة الذين ذهبوا إلى مزابل التاريخ، لبينما بقي مجد الحسين خالدا عبر التاريخ والأزمان تسطرمجده وتستلهم إشعاعه العباقرة والزعماء ورموزالأمة من العارفين بموقعه وبمكانته فى الشرق وفى الغرب من الذين أرخوا لتراثه وثورته الخالدة.

فسلام الله على الحسين يوم ولد ويوم أستشهد ويوم يبعث حيا.

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»