آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 12:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قبل ضحى الغد

بدر شبيب الشبيب *

من بين الصفات المحبوبة في المرأة عند العرب قديما أنها «نؤوم الضحى»، و«نؤوم» صيغة مبالغة في النوم، أي تنام كثيرا وقت الضحى، وذلك كناية عن المرأة المنعمة المرفهة المخدومة التي لا تحتاج للاستيقاظ مبكرا لأن هناك من يقوم بشؤونها.

يقول امرؤ القيس في معلقته:

وَتُضْـحِي فَتِـيْتُ المِسْكِ فَـوْقَ فِراشِـهَا
نَـؤُومُ الضَّـحَى لَمْ تَنْتَــطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ
إِلَـى مِـثْـلِـهَـا يَـرْنُـو الـحَـلِـيْـمُ صَـبَـابَـةً
إِذَا مَـا اسْـبَـكَـرَّتْ بَـيْـنَ دِرْعٍ ومِجْـوَلِ

ويقول مهيار الديلمي:

ساهرةُ الليل نؤومُ الضحى
ريانة والأرض تشكو الظما

هذه الصفة اختلفت دلالتها اليوم، حيث أصبحت تشير عندنا إلى المرأة قعيدة البيت غير العاملة، والتي تنتظر وظيفة منذ يوم تخرجها ربما قبل عشر سنوات أو أكثر، أو هي المرأة «الحافزية» نسبة إلى برنامج «حافز» الأكثر شهرة في العالم حتى من برنامج «أوبرا». والدليل على ذلك أنه ما يكاد يقترب إصبعك من حرف الحاء في «الكيبورد» حتى يخرج «حافز» من بطن «قوقل» كخروج الجني من مصباح علاء الدين، لكن دون أن يقول: شبيك لبيك، بل ليتحفز للحسومات والخصومات المستمرة من مبلغ الألفَي ريال، وكأنه لا علاقة له باسمه. بالمناسبة يبدو أننا الأقدر على اختراع أسماء تتحول علاقتها بمسمياتها إلى علاقة تنافرية بعد سوء التطبيق، مثل «حافز، ساهر، ماهر، جدارة، نطاقات، تكافل».

هذا عن نوم الضحى وتطور دلالته، أما ضحى الغد المذكور في عنوان المقال فإنه يشير إلى بيت شعر قديم قاله الشاعر دريد بن الصمة، واستشهد به الإمام علي في قوله بعد قضية التحكيم في صفين معاتبا قومه:

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ - تُورِثُ الْحَيرَةَ وتُعْقِبُ النَّدَامَةَ - وقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي - ونَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْيِي - لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ - فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ والْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ - حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ وضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ - فَكُنْتُ أَنَا وإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ: -

أَمَرْتُكُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى * فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ

فهو يأسف هنا على قومه الذين تأخروا كثيرا في الاستماع إليه، ولم تتبين لهم أهمية رأيه إلا بعد فوات الأوان، أو في «ضحى الغد» بحسب بيت دريد بن الصمة. فبرغم كل ما يكتنف رأيه من قرائن تشهد له بصدقه وإخلاصه، إلا أنهم فضلوا الإعراض عنه، فكان أن أعقبهم ذلك الحيرة والحسرة والندامة. وهكذا تكون عاقبة الإعراض عن رأي الخبراء والمستشارين وأهل الرأي المتصفين بالصفات الأربع التي ذكرها الإمام علي في بداية كلامه ليضع لنا قانونا ساري المفعول لا يتخلف أبدا في أي مجتمع من المجتمعات أو قضية من القضايا.

والصفات الأربع هي: «الناصح، الشفيق، العالم، المجرب» والتي يمكن أن نختصرها في كلمة تجمع الحروف الأولى لهذه الكلمات بعد حذف «أل التعريف»، ومع بعض التصرف تقديما وتأخيرا. والكلمة هي «منعش».

يعلق الشيخ ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة على هذه الصفات، فيقول: "القيود الأربعة الَّتي ذكرها من صفات المشير معتبرة في حسن الرأي ووجوب قبوله: أمّا كونه ناصحا فلأنّ الناصح يصدق الفكر ويمحض الرأي وغير الناصح ربّما يشير بفطير الرأي فيوقع في المضرّة، وأمّا كونه شفيقا فلأنّ الشفقة تحمل على النصح فتحمل على حسن التروّي في الأمر وإيقاع الرأي فيه من تثبّت واجتهاد.

والباعث على هذين أعني النصح والشفقة إمّا الدين أو محبّة المستشير، وأمّا كونه عالما ففائدته إصابته لعلمه وجه المصلحة في الأمر فإنّ الجاهل أعمى لا يبصر وجه المصلحة فيه. قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم: استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا، وقال عبد اللَّه بن الحسن لابنه محمّد: احذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحا كما تحذر عداوة العدوّ العاقل فإنّه كما يوشك أن يقع بك مكر العاقل كذلك يوشك أن يورّطك شور الجاهل، وأمّا كونه مجرّبا فلأنّه لا يتمّ رأى العالم ما لم ينضمّ إليه التجربة. وذلك أنّ العالم وإن علم وجه المصلحة في الأمر إلَّا أنّ ذلك الأمر قد يشتمل على بعض وجوه المفاسد لا يطَّلع عليه إلَّا بالتجربة مرّة ومرّة فالمشورة من دون تجربة مظنّة الخطاء، وقيل في منثور الحكم: كلّ شيء محتاج إلى العقل والعقل محتاج إلى التجارب. وإذا عرفت أنّ طاعة المشير الموصوف بالصفات المذكورة مستلزمة في أغلب الأحوال للسرور بحسن ثمرة رأيه والفوز بها لا جرم كان معصيته ومخالفة رأيه مستلزمة للحسرة مستعقبة للندامة".

والسؤال الآن هو: ماذا فعلنا بآراء خبرائنا ال «منعش» ين في مجال ما بعد النفط؟ هل استمعنا لنصحهم قبل فوات الأوان، أم سننتظر حتى الغد كي نستيقظ من نومة الضحى ويتبين لنا «الخيط الأبيض من الخيط الأسود» بعد رحيل الذهب الأسود؟

الجواب في المقال القادم بإذن الله.