آخر تحديث: 26 / 5 / 2019م - 8:24 م  بتوقيت مكة المكرمة

خالتي ماتت محروءة!

بسام المسلمي

الموقف الأول: قامت طالبة من كرسيها في قاعة الدرس حاملة ورقة امتحانها ذاهبة بها إلى الدكتور محمد الزعبي، الذي كان يدرسنا مادة الأدب الجاهلي، قائلة له: ولكني سأرسب وسأعيد المساق «المادة» إذا لم تزيد في درجتي. أجابها الدكتور في وسط الحضور وبلا تردد: وما المشكلة في أن تعيدي المساق «المادة» إذا كنتِ لم تتقنيه ولم تفيدي منه أو لم تؤدي حقه من الدراسة والمذاكرة وآداء الواجبات. ثم أكمل: لستُ أفهم لماذا تريدين أن تنجحي في المساق عندما لا تستحقين ذلك!

الموقف الثاني: قامت فتاة في قاعة الدرس لتقول للدكتور أمجد طلافحة، وكان يدرسنا مادة الصرف في مرحلة الماجستير، ”ولكن ظروفي لا تدع لي فرصةً لآداء حق هذا المساق «الصرف» كاملاً وفي وقته المحدد، فأنا زوجة وأم وأدرِّس صباحاً في كل يوم وأدرُس مساءً لمدة أربعة أيام في الأسبوع «يعني ذلك أنها كانت تأخذ الحد الأقصى من الساعات الدراسية - 12 ساعة - وذلك كي تنهي مرحلة الماجستير بأسرع وقت وأقل تكلفة مادية». أجابها الدكتور بأن بأمكانها أن تحذف المساق «المادة» وأن تأخذ ما يناسب وضعها من عدد الساعات - 6 أو 9 ساعات مثلاً - في الفصول الدراسية القادمة، وأضاف بأن مشاكلها العائلية والمادية ليست من شأنه هو وليس هو المسؤول عنها. هنا تذكرتُ سعيد صالح، الممثل المصري الراحل، حينما أراد أن يستميل أستاذته في مسرحية“ مدرسة المشاغبين ”لتتفهم وضعه وحالته فتراعيه وتحابيه، قائلا،“ عمتي ماتت محروءة".

الحقيقة أن مثل المشاهد تتكرر بشكل كبير ومطرد في مدارسنا. فلستَ تُعدم أن ترى في كل يوم طالباً يشرح وضعه وظروفه لمعلمه، أو طالبة لمعلمتها، ملتمساً منه الزيادة في العلامات. وإذا كان الطالب صغيراَ ولا يستطيع أن يعبِّر عن ذاته، فإن ”الناطق الرسمي“ بالنيابة عنه وأعني به أباه أو حتى أمه، يأتي للمدرسة ليتحدث عن ظروف ذلك التلميذ القاهرة التي جعلته ينحدر إلى ذلك المستوى المتدني، وأنه لولا تلك الظروف القاتلة والقاهرة لكان ذلك التلميذ الأول ترتيباً في فصله وربما في مدرسته أيضا!

لاشك أن بعض الطلاب والطالبات يمتلكون أعذاراً حقيقية في بعض الأحيان، ولكن، لاشك أيضاً، بأن بعضهم لا يمتلك أدنى عذر يخوله بأن يطلب العون والمساعدة بل ولا حتى النظر في أمره من قبل المعلم. المشكلة هنا أن باب الأعذار هذا واسع جداً ولا يكاد يُوصد أبداً إذا ما فُتح. وفي مثل هذه الظروف يقف المعلم عادة حائراً ومتسائلا: أأخون الأمانة وأساعد ذلك الطالب دون غيره حتى لو لم يتقن دروسه ويؤدِ واجباته؟ وما هو الأساس العلمي والقانوني، وليس العاطفي، الذي يبرر لي مساعدة مثل ذلك الطالب؟ وهل يصح لي بأن أجعل ذلك الطالب يجتاز المادة دون أن يتقنها مفترضاً بأن المعلم الذي سيدرسه تلك المادة في المستوى الأعلى سيراجع معه ما أخذه وسيتأكد من إتقان ذلك الطالب لتلك المادة؟ ثم ما شأن ذلك المعلم حتى يقوم بهذا الدور؟

مثل هذه الأسئلة وغيرها تراود الكثير من المعلمين، ولكن الأغلب الأعم في نهاية المطاف لا يمتلك الشجاعة الكافية ليسبح عكس التيار فلا يجعل أحداً من الطلاب يجتاز مادته ما لم يتقنها. وربما يجد ذلك المعلم المسوغ الكافي لما يقوم به من محاباة لذلك الطالب الإغداق عليه بالدرجات، فهو، المعلم، لا يريد أن يقحم نفسه في صراع ومشاكل مع ذلك الطالب أو ولي أمره أو حتى وزارة التعليم.

المهم هنا أيضاً، أنك مهما حاولت تقليب الأمر، فإنك لن تفهم كيف تعلمنا أن ”نقحم“ الأمور العاطفية والظروف الخاصة في القضايا والأمور العلمية.