آخر تحديث: 18 / 2 / 2020م - 8:17 ص  بتوقيت مكة المكرمة

عندما يحب اللهُ أحدا

بدر شبيب الشبيب *

أن تكون محبوبا عند الله، فذلك بلا شك غاية آمال العارفين، ومنتهى طلبة الطالبين، وأعلى رغبة الراغبين. والإنسان كائن «حُبي» يحيا بالحب قبل الخبز، وينمو بالحب وفي بيئة الحب وإن كانت فقيرة في جانبها المادي من طعام وشراب وكساء وغيرها، فالحب يُعوض هذا الفقر ويشبعه بغناه المعنوي الواسع. أما الماديات فإنها مهما تكاثرت، فلا يمكنها أن تعوض لحظة حب حقيقية، أو أن تغني عن بيئة حب حاضنة.

الإنسان كائن «حُبي»، وهذا ما ينبغي أن ننتبه له في علاقاتنا مع أهلنا وأولادنا وبناتنا وكل من حولنا. قد نغرق أبناءنا أو بناتنا في الماديات، ونبخل عليهم بكلمة حب، مما قد يجعلهم عرضة للابتزاز من قبل الآخرين باسم الحب، إذ المتاجرون باسم الحب كثيرون، خصوصا في زمننا هذا.

الإنسان كائن «حُبي» يبحث عن الحب ليُحِب ويُحَب. وكما قلنا فإن أسمى الحب أن يشملك الحب الأسمى، وهو حب الله تعالى. وعندما يحب الله أحدا، فإن تعبيرات الحب الإلهي ستغمره بإشراقاتها وتجلياتها.

يتحدث صاحب تفسير الفرقان عن آثار الوصول لمقام محبوبية الله في قوله تعالى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، فيقول: والذين يحبهم اللّه لا تخلج فيهم خالجة كفر أو فسوق لمكان الحب الطليق دون طليق الحب، فقد تقدم حبّه إياهم على حبهم إياه، مما يدل على بالغ الحب.

أما صاحب تفسير الميزان فيتحدث في نفس الآية مفصلا عن لازم حب الله للمستحقين من عباده تعالى، والذي يتلخص في «براءتهم من كل ظلم، وطهارتهم من كل قذارة معنوية من الكفر والفسق بعصمة أو مغفرة إلهية عن توبة». ثم يشرع في بيان طويل جميل لشرح كيفية تحقق هذا اللازم عند المحبوبين لله، فيقول: وذلك أن جمل المظالم والمعاصي غير محبوبة لله كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ: «آل عمران: 32» وقال: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ: «آل عمران: 57» وقال: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ: «الأنعام: 41» وقال: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ: «المائدة: 64» وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ: «البقرة: 190» وقال: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ: «النحل: 23» وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ: «الأنفال: 58» إلى غير ذلك من الآيات.

وفي هذه الآيات جماع الرذائل الإنسانية، وإذا ارتفعت عن إنسان بشهادة محبة الله له اتصف بما يقابلها من الفضائل لأن الإنسان لا مخلص له عن أحد طرفي الفضيلة والرذيلة إذا تخلق بخلق. فهؤلاء هم المؤمنون بالله حقا غير مشوب إيمانهم بظلم وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ: «الأنعام: 82» فهم مأمونون من الضلال وقد قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ: «النحل: 37» فهم في أمن إلهي من كل ضلالة، وعلى اهتداء إلهي إلى صراطه المستقيم، وهم بإيمانهم الذي صدقهم الله فيه مهديون إلى اتباع الرسول والتسليم التام له كتسليمهم لله سبحانه قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً: «النساء: 65».

وعند ذلك يتم أنهم من مصاديق قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ: «آل عمران: 31» وبه يظهر أن اتباع النبي ص ومحبة الله متلازمان فمن اتبع النبي أحبه الله ولا يحب الله عبدا إلا إذا كان متبعا لنبيه ﷺ.

وإذا اتبعوا الرسول اتصفوا بكل حسنة يحبها الله ويرضاها كالتقوى والعدل والإحسان والصبر والثبات والتوكل والتوبة والتطهر وغير ذلك قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: «آل عمران: 76» وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ: «البقرة: 195» وقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ: «آل عمران: 146» وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ: «الصف: 4» وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ: «آل عمران: 159» وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ: «البقرة: 222» إلى غير ذلك من الآيات.

هكذا يتجلى حب الله لعبده في عبده حتى يكون منزها عن كل رذيلة جامعا لكل فضيلة. فهل هناك أمسى من هذا التعبير عن الحب.

للحديث بقية نتركها للجمعة القادمة بإذن الله.

أحبكم جميعا.. جمعة مباركة.. دمتم بحب.