آخر تحديث: 20 / 8 / 2019م - 10:00 م  بتوقيت مكة المكرمة

عقدة النقص والإفراط في التعويض

سراج علي أبو السعود * صحيفة الرأي السعودي

يتفق علم النفس على تعريف عقدة النقص بأنها «شعور الفرد بوجود عيب فيه يُشعره بالضيق والتوتر ونقص في شخصيته مقارنة بالآخرين وخصوصًا في حالة الإنجاز، مما يدفعه إلى التعويض عن هذا النقص بشتى الطرق المتاحة له»، السبب الأبرز لهذا المرض، هو مزاولة حالة مستمرة من التثبيط وإشعار طرف ما بالعجز والنقص في أمور منها: الجنس، العرق، الأسرة، الطبقة الاجتماعية، الصحة العقلية، والمظهر الجسدي، يولد كل ذلك مشاعر سلبية تتجه بالإنسان إلى فقد الثقة في نفسه وإمكانياته والشك والريبة المستمرين من إتقان علم أو فن ما، في حقل من الحقول.

إحدى تجليات عقدة النقص، هي تمظهرها في المصاب على شكل نوع من التعالي، يمكن جدًا ملاحظة ذلك في محاولاته المستمرة إظهار ما يظن أنه يتفوق به على الآخرين بدرجة مبالغ فيها من الفخر، أو يُظهر عدم اتفاقه لرأي الأغلبية في أمر متسالم على صحته لديهم للفت النظر إليه، كصاحب رأي مختلف عن ما يسميه رأي القطيع، أو من خلال النقد المستمر لمقدسات حسب رأي الأغلبية، كالدين والأخلاق.

وحينما تكون الأقدار قد ساقته لقيمة مهنية أو اجتماعية متميزة، فإنه من حيث يشعر أو لا يشعر يتحول لشخص معتد بذاته، بالقدر الذي يجعله ينتهز أي فرصة ليبدي للآخرين عصاميته الفذة، وذكاءه الوقاد، اللذين تفتقدهما النسبة الأعلى من المجتمع، والتقليل من شأن كل متفوق وإظهاره ولو في جانب ما بالنقص.

التربية وصنَّاعها من والدين ومدرسين ووعاظ، حينما يمارسون حالة من التثبيط وإشعار المتلقي بالعجز والقصور في علم أو فن أو طبقة اجتماعية ما، أو من خلال مقارنة الأُسر المستمرة بين الأطفال حسب درجات تفوقهم، فإنهم يولدون فيهم - شاءوا أو أبوا - نوعًا من الحرمان الذي يؤثر عليهم لا محالة سلبًا ويقودهم متى ما سنحت الفرصة إلى ما يصح تسميته ب «عقدة التعالي» وهي التي تظهر بوضوح من خلال تعامل غير تلقائي يسوده ظاهرًا التكبر والترفع، فيما يخفي في باطنه مستويات كثيرة من مشاعر الدونية والنقص.

إن جميع روافد التربية لا سيما الأسرة كأحد أهم المعنيين بها، ينبغي أن يحسنوا منح الثقة لأبنائهم، تلك الثقة القائمة على أسس علمية ومنطقية، لا على قبلية ومناطقية وطبقية اجتماعية، هذه الثقة هي ما تجعل الإنسان يعتز بإنسانيته ومجتمعه ومبادئه، بحيث لا يتلون بمجرد أن تتغير الظروف ليعود إلى مجتمعه متمردًا على دينه ومجتمعه وأخلاقه، متعاليا على لغته وثقافته، كل تلك ما كانت لتكون لولا أنه يشعر بعقدة الدونية التي تلازمه، فيضطر من حيث لا يشعر للإفراط في التعويض المتعالي والمهين لكل ما يتعلق بمجتمعه ودينه وأخلاقه.