آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

الوجاهة واختطاف العمل الاجتماعي

سامي آل مرزوق

العمل الاجتماعي مهنة تهدف لدعم كافة الإمكانيات التي تُحسن وتوفر ظروف حياتية عادلة بالمجتمع وهي بمثابة استجابة لمشكلاته المختلفة، وأن لم تكن مزمنة، وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتاريخ الإنساني القديم، وقد تأصلت فكرته بدايات القرن التاسع عشر الميلادي، وكان ظهوره استجابة للمشكلات الاجتماعية، التي أنتجت فيما بعد الثورة الصناعية وماترتب عليها من تطبيق للنظرية العلمية، مما أدى إلى التركيز على دراسة الحالات الاجتماعية، فكانت هنا بداية الاهتمام بممارسة العمل الاجتماعي المرتكز على البحث والممارسة العملية القائمة على مناهج البحث العلمي وتجربة وجودة العمل، وبذلك أصبح العمل الاجتماعي ذا أسس منهجية ومستندة على هيكل تنظيمي قائم على معلومات من البحث والدراسة، حيث يتم الحصول عليها من ممارسات تقييم البحث والمعلومات المختلفة، لذا فهي خدمة اجتماعية هدفها الرئيسي تنمية المجتمعات ثقافياً وحضارياً وأخلاقياً، مرتكزة بذلك على الإيمان بقدرة الأفراد وكرامتهم والحب والتسامح والعدالة الاجتماعية والحرية المجتمعية في حدودها وقيمها الاجتماعية.

إلى أن أختطف العمل الاجتماعي، من فئة مستنفعة وهي إساءة للأعمال الخيرية التطوعية، بممارساتهم الفردية أو الجماعية، بغية ظهورهم الشخصي، مما يجعلنا ننادي بإنقاذ العمل الخيري من ”برستيج“ المستنفذين والمستنفعين، وفي الوقت نفسه هناك من عمل وكرس، الكثير من أصحاب المبادرات حياتهم بالعمل الخيري من أجل أهدافه ومبادئه السامية الجليلة، إلا أن بالمقابل نجد من يحاول أن يستفيد من وجوده بالمحيط الاجتماعي بطبقاته المختلفة، لوجاهته الاجتماعية المطلقة، وغيرها والتي يتأمل منها أن تخلق له مكانة هامة ومؤثرة بمحيطه المجتمعي، سواء من محاولات بروز على المستوى الشخصي أو ترأس جمعية خيرية للوصول إلى مصالح شخصية أو إلى شخصنة العمل الخيري، وبذلك أصبحت تلك الأعمال غطاء له يتخفى ويتدحرج من تحته، فيخرج بذلك العمل التطوعي من مبادئه وأهدافه الطبيعية.

فتحول بذلك العمل الخيري إلى وسيلة ثرية، وقاعدة عمل تفتح أمامهم مسالك جديدة ومختلفة ومفيدة لأعمالهم الفردية الشخصية، وواجهة مؤثرة في واقع مصالحهم، بالاستفادة من منصب أو بتغليب فئة على أخرى، أو بتوظيف أقاربهم بالوظائف الإدارية، أو إرساء احتياجات المؤسسات الاجتماعية وصيانتها على مؤسساتهم الاستثمارية الخاصة، وهي أمور لا يلاحظها إلا من كان في محيطهم القريب منهم.

إلا أن هناك أعداداً من التجار أو المتنفذين ومن القائمين على المبادرات والمتشدقين بالأعمال الخيرة التطوعية، قد وجهوا بوصلتهم للأعمال الخيرية للوجاهة الاجتماعية والبروز الشخصي والمنافع الدنيوية، فتنشئ المبادرات وغيرها بهدف تلميع التجارة الخاصة، أو كعملية استكشافية مغامراتية جديدة، ورب ضارةٍ نافعة حيث أن الدخول بالمعترك الاجتماعي للفئة المستنفعة المستنفذة، يدر دعماً مادياً جيداً للمؤسسات الاجتماعية بأنواعها، كنوعً من المجاملة مما أجبر الكثير من هذه المؤسسات على إقامة حفلات التكريم لبعض هؤلاء، كدعاية بغية تفاعل الأثرياء الآخرين.

أن ثقافة العمل التطوعي تعمل على المحافظة على ربط وشائج العلاقات الاجتماعية، وخلاف ذلك هو ممارسه لغير طبيعتها وحقيقتها المعروفة، مما يجعلها أداة حقيقية في صراعٍ محموم للوصول للوجاهة والمكانة الاجتماعية والبحث عن المصالح الخاصة، فالتطوع ممارسة إنسانية راقية ورائدة بالمجتمعات، تهدف للتكافل الاجتماعي، والتضامن الاجتماعي، والخدمة الاجتماعية، والعمل الخيري، والعمل الإحساني، والعدالة الاجتماعية، والتغيير الاجتماعي، اختطافها ضعفاء النفوس، كما الكثير من الممارسات والمبادرات التطوعية، مما يستدعي التفكير بنضج لمرحلة مستقبلية أكثر وعياً.