آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 7:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

لحظةٌ من أجل التنوير وصناعة المستقبل!

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

التنوير ليس مهمة سهلة، يمكن النهوض بها عبر مشروعات حكومية، أو كتابات فلسفية، أو بضع محاضرات ونقاشات فكرية بين النخبة. هو تراكم وسيرورة طويلة، وصبر، وحالة من النقاش الحر، وبعدٌ عن العقل النمطي، وتواصل في العمل، الذي يجب أن تكون رافعته الدولة المدنية الحديثة، بأذرعها الحكومية ومؤسساتها الأهلية.

التنوير كي يكون له تأثير، لا بد أن يخرج من نخبويته، ويكون حاضراً لدى إنسان الشارع العادي، وربة المنزل، والطلاب في المدارس، والأسر العربية. وهي الفئات التي من المفترض أن يتوجه لها الجزء الأكبر من الخطاب الإصلاحي، كي تحدث نقلة فعلية، وتبدل في أنماط الحياة ومنظومة التفكير الجمعي.

المجتمعات العربية في وقتنا الحاضر، تتأثر بشكل كبير بوسائل الإعلام، وتحديداً الشبكات الاجتماعية، التي باتت أداة مهمة من أدوات صناعة الرأي العام، وتكوين العقل الجمعي. من هنا، بات لزاماً أن تكون عملية التنوير حاضرة في هذه المنصات، كي تذهب مباشرة إلى المتلقي.

الإعلام في جزئه الأكبر، يركز على الترفيه، وصناعة المسلسلات المسلية، البعيدة عن الثقافة أو القضايا الشائكة، التي يعتبر القائمون على الإعلام أنها منفرة للجمهور، وطاردة للإعلانات. وبالتالي، فصناع الإعلام يبحثون - في كثير منهم - على ما يحقق لهم مدخولاً مالياً، يغطي تكاليف التشغيل والإنتاج ويحقق أرباحاً.

هذه المشكلة جعلت الخطاب الرائج في الفضائيات، والسوشل ميديا أيضاً، خطاباً لا يساهم في عملية التغيير، بل جزء منه يناقض مفهوم التنوير، ويعمل على تنميط المجتمعات، وإفراغها من أي قيمة معرفية حقيقية!.

هذا الفراغ الكبير، لا نجد إلا النزر اليسير من البرامج تسعى جاهدة إلى ملئه، بمادة متقنة، علمية، يشتغل عليها فريق مختص من الباحثين والعلماء، والمنتجين والمحترفين. وربما من الأمثلة الجديرة بالاهتمام برنامج ”لحظة“، الذي يقدمه الكاتب الإماراتي ياسر حارب.

الجيد في ”لحظة“، أنه يبني سرديته على فكرة ليست متعالية على الناس، أو بعيدة كثيراً عن حياتهم. لكنه في ذات الوقت لا يتنازل عن قيمته المعرفية، ليكون مجرد حلقات مجزاة لإرضاء الذائقة العامة.

قد لا يكون ”لحظة“ برنامجاً شعبياً بالمعنى السائد، ولكنه أيضاً ليس بالنخبوي أو الجامد. وهو في اشتغال عدد من حلقاته على القصص الإنسانية، والانطلاق منها إلى العلم والبحث والمستقبل، يكون أقرب إلى وجدان الناس، ومن خلال هذه البوابة يدخل عقولهم. وهذا ما يجعله مشاهداً من فئة الشباب أيضاً.

هذا النوع من البرامج العلمية، يكتسب أهميته خليجياً، من أجل دفع عملية التنوير بين المجتمعات. فالإمارات والمملكة تعيشان اليوم عملية تحول معرفي واجتماعي واقتصادي، نحو بناء دول مدنية حديثة، يسودها القانون، ويكون فيها الفرد مشاركاً في التنمية وصناعة المستقبل وتحمل المسؤولية. وهو ما يتطلب الاشتغال على ”العقل“ وتكوينه، لأنه رأس المال الحقيقي، الذي من دونه لا يمكن لأي حضارة أن تنشأ.