آخر تحديث: 21 / 2 / 2020م - 4:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

الانتماء الوطني.. ثقافة وسلوك

علي ناصر الصايغ

أن الانتماء من القيم النبيلة التي يتمتع بها البشر في حياتهم، وهو تأصيل للفطرة التي أودعها الله تعالى في نفوسهم، فكما يحن الولد إلى دفئ أبيه وحنان أمه يحن إلى أرضه ويعشق وطنه ويتوسد التربة التي عاش وترعرع عليها طوال سني حياته، كون الانتماه طبيعة تلازم الإنسان ضمن محيطه الاجتماعي والإنساني، فالإنسان بطبعه له ميول ورغبات يجد فيها راحته ومنفعته وحاجته، أن كانت نفسية أو روحية أو فكرية أو عقدية، نجد ذلك في كل فرد يرتبط بمجتمعه ارتباط وثيق، أو مع جماعته أو عائلته وأصدقائه، وقد يتأتى ذلك كميول نفسي حتى مع أمام المسجد الذي يصلي معه باستمرار فلا يتكيف البعض أحياناً مع أي إمام آخر من أئمة الجماعة، أو المسجد الذي أعتاد الصلاة فيه بأخر، بل وأحيانا حتى المكان الذي يصلي فيه وهو ضمن مساحة واحدة وفي مسجد واحد وعلى سجادة واحدة ليس فيه أي اختلاف ولكن قد يجد في نفسه ميول لزاوية معينة في ذات المسجد أو المكان الذي سيصلي فيه، وهذا الأمر يشمل المنشأة التي يعمل بها إذا وجد فيها نفسه بين زملائه وحظي بشي من التميز مقابل ما يقوم به من دور في تطوير عمله، وأعطيت له حقوقه الطبيعية وتم التعامل معه كأحد منسوبيها دون تفرقة أو نقيصة، وكان ذلك ضمن الضوابط والأنظمة المتبعة، فمن الطبيعي حين إذا أن يشعر بانتمائه الحقيقي والطبيعي ويكون ذلك دافع في أن ينتج أكثر ويبدع في عمله.. وهنا أشير لكلمة جميلة للدكتور. عبد الله بن ناجي آل مبارك يتحدث فيها عن مفهوم الأنتماه الوطني « يعد مفهوم الانتماء الوطني من المفاهيم العالمية المهمة في عالمنا المعاصر الذي أصبح من المفاهيم المتكررة في وسائل إعلامنا وفي محاضراتنا وندواتنا بل أصبح مفهومًا رئيسًا في حياتنا العامة »..

وأعتقد أن هذا من الأمور الطبيعية التي لا يختلف عليها أحد، فأنتما الإنسان لأرضه ووطنه ومجتمعه ينطبق عليه القول المأثور «حب الوطن من الإيمان»، فالوطن بمجموع مكوناته الاجتماعية والجغرافيا والبيئية، وعلى اختلاف شرائحه وتعدد أطيافه وتوجهاته، يبقى الملاذ الأول لكل إنسان خلق على ترابه وأبصر النور فيه وتحول إلى رقم حقيقي ضمن المساحة المشتركة بين أبنائه، بعد ما بدأ قلبه يتدفق بنبضات تحمل الحب وترسم العشق على عبق ترابه الطاهر وجدرانه الدافئة بتماسكها والتي تبعث الطمأنينة والأمان، فليس من السهل على الإنسان المؤمن، الإنسان الواعي والذي يتمتع بحس وطني مرهف أن يفرط في قيمه وقناعاته الشخصية منها والمشتركة، الشخصية التي تبقى محصورة في دائرته ومحيطه الضيق، والمشتركة التي يتعايش من خلالها مع الآخرين فله ما لهم وعليه ما عليهم، والإسلام كفل حرية الإنتماه لبني البشر ولكن ضمن حدود الحرية المتاحة والتي تقف عندها حرية الآخرين..

وأما التشكيك في نوايا الناس وانتمائهم وأفكارهم ومعتقداتهم فهو من الأمراض العقيمة والتي هي ابتلاء أن لم يستأصل فأنه ينخر جدار المجتمع ويهد كيانه ويتسبب في الفرقة والخلافات والتي قد تجر المجتمع لمشاكل من الصعوبة بمكان حلها والسيطرة عليها، والإسلام حذر من نوايا المشككين واتهاماتهم ويرفض هذه الظواهر التي تحطم الكيان الإنساني لما فيها من إساءة وانتهاك للمبادئ والقيم التي أقرها الإسلام وحذر من العبث بها والتعامل معها ضمن الفهم السطحي لمستوى التفكير والنظرة القاصرة للتعاليم السماوية ويحاربها ويحذر منها ولكن ليس بالعنف والقهر والإذلال، بل يطرح طرق العلاج والحلول المناسبة التي يقرها الشرع ويتفق عليها العقلاء..

جميل أن يشعر الإنسان بوجوده وانتمائه وأنه جزء من هذه الأرض الطيبة المعطاءة في هذا الوطن الكبير، جزء من منظومة فرضها واقع الحال، وطيف من أطياف متعددة فيه، يتمتع بقابلية الانسجام ويتحلى بمساحة فكرية وثقافية لها القابلية للتعايش المشترك، من هنا أعتقد كما يعتقد المتتبعون للشأن الاجتماعي أنه ينبغي أن يكون لكل مكون من مكونات المجتمع وضعه الطبيعي ضمن شرائح المجتمع ومكوناته، له مساحة من الحرية في حركته الاجتماعية في سفره ولقائه بشرائح المجتمع وتواجده في الأندية أو النوادي الأدبية منها والاجتماعية بالآخرين، ويكون له كيانه المستقل يمارس خصوصياته ضمن الضوابط الطبيعية التي كفلها له الإسلام، وأعتقد أنه ينبغي أن يشعر المواطن بكيانه ووجوده في أن يكون دائرة ضمن الدوائر بل مكمل لهذه الدوائر حتى ينسجم مع كل أطياف المجتمع ويُقبل من كل أطياف المجتمع، وحتى يشعر المواطن أنه شريك حقيقي في هذا الوطن ينبغي أن يشعر بوطنيته من خلال تنقلاته الجغرافية من منطقة إلى أخرى فلا يشعر بالفرق في تعامل المواطنين معه وكأنه غريب في أرضه ووطنه، بل من الصعوبة بمكان أن يكون غير المواطن هو من يتمتع بالحرية والطمأنينة، ويفتقدهما المواطن الحقيقي أثناء تنقله في مناطق الوطن، والقصص كثيرة في هذا الشأن وما يتعرض له وللأسف بعض المواطنون الشيعة من التعدي اللفظي وقد يصل للعنف، وقد يبرر ذلك بجهل البعض وعدم معرفتهم بقيم الأخوة في الإسلام وكيف أن الإسلام يحث على الأخوة والتآخي بين المؤمنين، وكيفية تعامل الناس بعضهم بعضاً كما أشار القرآن الحكيم بقوله تعالى ﴿إنماء المؤمنون أخوة وفي هذه معاني كبيرة ينبغي أن نتوجه إليها ونشيعها في أوساطنا بين المؤمنين لوحدة المجتمع وتماسك الوطن بكل أطيافه ومكوناته حتى لا يشعر الواحد منا بالغربة وهو في وطنه وبين أخوانه وأحبائه..

من هنا أعتقد أن ثقافة الأنتما ينبغي أن تعطى مساحة كافية واهتمام كبير لأشاعتها بين المواطنين وتؤصل ضمن المفهوم الوطني للمواطنة وتكون ملازمة لنا في تعاملنا وأن تتجلى كطبيعة في داخل كل فرد وتتحول إلى سلوك حقيقي ينبع من حقيقة الفهم للوعي المجتمعي فهي أسلوب حياة ومنهج في التعامل.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
zakaraya abu sareer
[ tarut - al qatef ]: 28 / 12 / 2012م - 9:02 م
مقال جميل ورائع وهادف وفيه رسالة وطنية واضحة وينبغي لنا الحرص على فهمها فهم وطني ومن ثم تطبيق عملي على ارض الوطن , لدي ملاحظة في المقال : وهي استخدام مفردة مؤمنين في الترشيد الفهمي وافضل استخدام مواطنين فهي اعم ولانها تحمل مدلول المواطنية لكل اطياف المجتمع باختلاف تنوع فكره ودين ومذهبه , وفي الخير اتقدم لك بالشكر الجزيل والله يعطيك العافية .
2
أنوار
[ السعودية ]: 5 / 11 / 2013م - 3:44 م
مقال جميل جدا ؛ يحوي هموم مجتمع يحتاج إلى أنتماء و بقوة؛
أتمنى لك التوفيق والسداد دائما