آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 2:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

نَسَّم علينا الهوا

سراج علي أبو السعود * صحيفة الرأي السعودي

نسم علينا الهوا من «مَفْرَء» البراري، ذلك الهواء الحار والجاف والخانق في الأيام الفائتة، وسيستمر لأربعة أشهر قادمة إلى ما قبل ديسمبر، وبعدما كان الهواء العليل يطل علينا من نخيلنا وبساتيننا الكثيرة في عهد ليس بالبعيد ليخفف علينا وطأة السموم اللاهب، ها هي تلك الرقعة الزراعية تتقلص تدريجيًا لتحل محلها رمال الصحراء الملتهبة، تلك الرمال التي إن ثارت نفثت علينا غبارها الخانق فجعلت أيامنا بائسة، وأنفسنا تواقة للسفر، بحثًا عن بقعة باردةٍ في أرض الله الواسعة، ننفق فيها ما ادخرناه بعرق أجسادنا المتعبة في ذلك العام.

يُعرَّف التصحر بأنَّه تناقص في قدرة الإنتاج البيولوجي للأرض، أو تدهور خصوبة الأراضي المنتجة بالمعدل الذي يكسبها ظروف تشبه الأحوال المناخية الصحراوية، وبحسب إحصائية أعدها البنك الدولي ومنظمة الأغذية العالمية أشارت إلى أنَّ مجموع المساحات المتصحرة في العالم بلغ ما يقارب الستة والأربعين مليون كيلومتر مربع، يبلغ نصيب العالم العربي منها 28 في المائة، ومع أنَّ الحاجة للغذاء النباتي والحيواني ترتفع سنويًا في العالم العربي تحديدًا بسبب النمو المضطرد في عدد السكان، إلاَّ أنَّ العكس تمامًا هو ما يجري حينما يخسر العالم العربي وحده ما تقدر قيمته بستة عشر مليار دولار من القيمة الإنتاجية الغذائية في العام الواحد.

يُعزى هذا التصحر لأسباب كثيرة منها قلة الأمطار وتكرار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة بسبب الاحتباس الحراري، وكذا لارتفاع النشاط السكاني وما يتبعه من إزالة المساحات الزراعية، وهذا الأخير هو كما أراه كارثة حقيقية لا يمكن بحال من الأحوال تبريرها، فالمساحات الزراعية ينبغي أن تكون خطًا أحمر، بحيث يعتبر إتلافها جريمة وطنية يعاقب عليها القانون.

قد يعتذر بعض المزارعين بأنَّ الجدوى الاقتصادية للزراعة منخفضة جدًا، وقد تكون عبئًا على صاحبها، وهكذا أمر ينبغي أن يكون محل بحث من وزارة الزراعة والبلديات بحيث توفر للمزارعين أسبابًا منطقية للمحافظة على بساتينهم، فالأضرار البيئية والصحية الناتجة عن التصحر لم تزل تكلف بلادنا الكثير من الخسائر الاقتصادية والصحية.

بعدما كان «الهوا ينِّسم علينا» من بساتيننا الكثيرة وعيوننا الجارية فيملئ أجسادنا وقلوبنا صحةً ودَعَة، وأقلامنا شعرًا وفنًا جميلًا، ها هي صحارينا اللاهبة تكشر عن أنيابها كل صيف، فتجعل الفرار إلى أرض الله الباردة سُنة المقتدرين كل عام، كل ذلك يجعلنا نناشد جميع الأطراف ذات العلاقة بالعمل على الحفاظ على ما تبقى من الرقعة الزراعية والسعي لتوسيعها، علَّ ذلك يسهم في تنقية هوائنا وتخفيف ألسنة اللهب التي تتقاذف علينا كل صيف من صحارينا الشاسعة.