آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 12:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مجتمع المؤسسات المنعشة 8

بدر شبيب الشبيب *

هل يصلح كل أحد لأي شيء؟

في مجتمعنا عندما ينجح أحد في موقع ما، فإن الأنظار تتجه إليه عند تدشين أي مشروع جديد، يرشحونه لعضويته أو تبوأ موقع متقدم فيه أو حتى رئاسته. وكأنه كما يقول المثل الشعبي «ما في هالبلد إلا هالولد».

ولا يقتصر الأمر على قطاع ما بعينه، بل يشمل القطاعين العام والخاص والقطاع الثالث المكون من المنظمات غير الحكومية وغير الربحية.

يصل الشخص لسن التقاعد النظامية مثلا، فيتم التمديد له عدة سنوات، ثم يُنقل بعد التقاعد لموقع آخر أو أكثر، ويظل في الوظيفة حتى يتوفاه الموت أو يجعل الله له سبيلا. وإذا تأملت في إنجازاته الفريدة، فلن تجد شيئا استثنائيا يجعله يتقلب في الوظيفة ذات اليمين وذات الشمال. هل خلت البلد من الطاقات الشابة المؤهلة الطموحة؟ أم هل عقمت النساء أن يلدن مثل هذا العبقري، وعجز الطب رغم تقدمه عن استنساخه؟

الشخص الناجح في موقع ما ليس بالضرورة ناجحا في كل موقع. هذه بديهية نُغفلها ولا نعمل بها حتى على مستوى المؤسسات الاجتماعية المنعشة. في مؤسسات العمل التطوعي قد يتم في كثير من الأحيان التغاضي عن المواصفات المطلوبة للتأهل لشغل وظيفة ما، إما لزهد الناس في العمل التطوعي ذاته، وقلة المرشحين، وبالتالي عدم إمكان تطبيق معايير التفاضل، أو لعدم وجود معايير أصلا.

شهدنا في مرات عديدة إخفاق بعض المؤسسات الاجتماعية في الحصول على مرشحين لانتخابات مجالس إداراتها، حتى إن القائمين عليها يتوسلون بقية أعضاء المجتمع لإنقاذ المؤسسة المعنية من خطر إغلاقها. وهذا يدل على أن العمل التطوعي في بعض المجالات لا يتمتع بالجاذبية الكافية، وهو أمر يحتاج إلى بحث معمق عن أسبابه التي قد تختلف من حالة إلى حالة، ولعل من ضمن الأسباب المشتركة في الحالات المختلفة ضعف ثقافة العمل التطوعي في الوعي الاجتماعي العام.

على العموم، ما نود التأكيد عليه هنا هو ضرورة توفر مواصفات معينة في الفرد المتقدم للعمل التطوعي، حتى ينجح العمل ويؤتي ثماره المرجوة.

من هذه المواصفات نذكر ما يلي:

- الإيمان بأهمية العمل التطوعي بشكل عام، وبالعمل الذي سيتصدى له بشكل خاص.

- الإيمان برسالة وقيم المؤسسة التي سيعمل بها. فبدون الإيمان الراسخ بهذه الرسالة والقيم لن يكون بالإمكان الاستمرار في العمل كما يجب. وهذا يقتضي وجود رسالة واضحة للمؤسسة ذات معالم محددة بدقة.

- أن يمتلك روح البذل والعطاء والتشرف بخدمة الآخرين دون مقابل.

- التواضع والحلم وسعة الصدر. فالعامل في خدمة الآخرين يتعامل مع شرائح مختلفة الثقافة والظروف والنفسيات، مما يجعله عرضة للاستفزازات أو عدم التقدير المناسب لجهوده. ولن يستطيع المواصلة بدون أن يُعوِّد نفسه على تلقي الصدمات واستيعابها، مستحضرا الأهداف السامية التي يسعى لتحقيقها.

- الشجاعة في تحمل المسؤولية، والاستعداد لتصحيح الأخطاء.

- تقبل النقد بكل أريحية، وتقديم الشكر للمنتقد لحرصه على التطوير.

- الانضباط والالتزام بالمبادئ والأهداف وخطة العمل المتفق عليها.

- إجادة مهارات التواصل مع الآخرين، من حيث الإنصات التفاعلي والحديث الفعال.

- القدرة على الانسجام مع الآخرين والتفاعل معهم والعمل بروح الفريق الواحد.

- القدرة على التسامح وتجاوز هفوات الآخرين.

- القدرة على الإبداع وابتكار الحلول.

- المرونة والقدرة على تدوير الزوايا الحادة.

- الإلمام بأنظمة ولوائح المؤسسة.

- الشعور الشديد بالانتماء للمؤسسة، والاعتزاز برسالتها وقيمها.

- القدرة على ممارسة التحفيز الذاتي. فانتظار الحوافز الخارجية، خصوصا في مجتمعاتنا التي لم تتعود كثيرا على البوح بمشاعرها تجاه الآخرين، أمر قد يثبط همة الإنسان العامل. لذا فهو يحتاج لوقود داخلي يمكنه من مواصلة الطريق بنجاح.

- الحماس، وهو مهم جدا لتسيير المؤسسات المنعشة.

هذه بعض المواصفات العامة التي ينبغي توفرها في الفرد المتقدم للالتحاق بالمؤسسات المنعشة، وبالطبع كلما امتلك مزيدا من صفات المنعشين، كلما كان أقدر على ممارسة الإنعاش. صفات المنعشين كما ذكرناها هي الملخصة في الحروف الأولى لكلمة «منعش»: «المجرب/الناصح/العالم/الشفيق»، أو بحسب ترتيب الإمام علي : «الناصح الشفيق العالم المجرب».