آخر تحديث: 21 / 2 / 2020م - 4:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

المشهد السياسي العربي قبل اندلاع ثورات الربيع العربي

محمد الشيوخ *

المقصود من المشهد السياسي للعالم العربي، هو مجمل الاوضاع والاحداث السياسية العامة، وكل ما يرتبط بها من تحولات وما ينشأ عنها من تفاعلات وظواهر سياسية واجتماعية واقتصادية. رصد الاحدات وتحليل الوقائع المشكّلة للمشهد السياسي العربي يحتاج الى عمل منفرد ومستقل بذاته. لذا سيتم الاكتفاء في هذا البحث بالاشارة الى ابرز وأهم الاحداث السياسية، التي عصفت بالمنطقة العربية أو الاحداث ذات الصلة بها، وكان لها الاثر البالغ عليها سلبا أو ايجابا، خلال الثلاثة عقود الماضية،. كما سيتم توصيف مختزل للواقع العربي في بعض اقطاره، والتي من خلالها يمكن ان تقدم صورة معبرة عن عموم المشهد السياسي العربي، وذلك قبل اندلاع الثورات العربية. هذا العمل من شأنه ان يساعد على ابراز المتغيرات التي طرأت على المشهد السياسي الجديد في العالم العربي، أي يعد اندلاع الثورات العربية عام 2011م.

لقد شهدت المنطقة العربية، في العقود الثلاثة الماضية، احداثا سياسية هامة، وكان لها بالغ الاثر في رسم المشهد السياسي العربي القديم، ولازال تأثير بعضها قائما حتى هذه اللحظة. ففي عام 1979م اندلعت الثورة الاسلامية في ايران، بقيادة الامام الخميني وهي ثورة شعبية اطاحت بنظام الشاه محمد رضا بهلوي، وحولت ايران من نظام ملكي، لتصبح جمهورية اسلامية عن طريق الاستفتاء. كان لهذه الثورة تداعيات كبيرة على الصعيد الاقليمي والدولي، كما كان لها تأثير مباشر على الانطمة السياسية والشعوب العربية. بعد حدث انتصار الثورة في ايران وجدت المنطقة نفسها في أتون حرب مدمرة استمرت ثمانية اعوام «بدأت من سبتمبر1980 حتى اغسطس 1988». اطلق على هذه الحرب اسم حرب الخليج الاولى او الحرب الايرانية العراقية، وقد خلفت نحو مليون قتيل وخسائر مالية بلغت400مليار دولار امريكي، واصبحت بذلك اطول نزاع عسكري في القرن العشرين، وواحدة من اكثر الصراعات دموية. لقد أثرت تلك الحرب على المعادلات السياسية لمنطقة الشرق الاوسط وكان لنتائجها بالغ الاثر في العوامل التي ادت الى حرب الخليج الثانية والثالثة [1] .

اعقب تلك الحرب غزوا عسكريا للكويت، قاده الرئيس العراقي صدام حسين، وقد احدث هذا الغزو الذي تم في آب/اغسطس 1990 زلزالا إقليما وعالميا، الامر الذي دفع بالمملكة العربية السعودية الى الاستعانة بقوات اجنبية، امريكية بشكل رئيس، لحماية اراضي المملكة من هجوم عراقي محتمل، وعبر هذه القوات تم تحرير الكويت، وسميت هذه الحرب بحرب الخليج الثانية. ولقد كان لهذا الحدث تأثيرات وانعكاسات سياسية واجتماعية واقتصادية مباشرة على المنطقة عموما، والمملكة العربية السعودية خصوصا. وقد نحت دراسة الباحث ستيفان لاكروا، التي جاءت بعنوان«زمن الصحوة: الحركات الاسلامية المعاصرة في السعودية»، نحت باتجاه رصد بعض تأثيرات احد تأثيرات ذلك الغزو، والمتمثل في استعانة المملكة بالقوات الامريكة على الداخل السعودي والنظام السياسي القائم. افرز هذا الحدث في الداخل السعودي، بحسب تعبير الباحث، «انتفاضة الصحوة»، وقد قارن لاكروا بين تأثير هذا الحدث وانعكاساته، مع بعض الاحداث التي حدثت في المملكة وتحديدا حركة جهيمان العتيبي، التي استولت على المسجد الحرام بمكة المكرمة في تشرين الثاني/نوفمبر 1979، مشيرا الى ان حركة جهيمان لم تستطع تعبئة أكثر من بضع مئات من المناصرين. بيد ان الوضع كان مغايرا للغاية في آب/اغسطس1990، عندما استقطبت الخطب الحماسية الشاجبة للوجود الامريكي عشرات الآلاف من الشباب المتحمسين في ارجاء المملكة كافة بوصفه علامة على فشل أخلاقي وسياسي «للنظام» السعودي، الذي سرعان ما تحولت المظاهر الاحتجاجية الى حملة منظمة، ووقع بعض المثقفين والنخب الدينية في المملكة عدة التماسات طالبت بادخال اصلاحات جذرية. ويرى الباحث أن النظام السعودي «اهتز» لأول مرة في تاريخه بعد أن بدا منيعا حتى ذلك الحين. وكنتيجة لتداعيات الحدث استمرت الاضطرابات حتى سنة 1994، وادت الى اعتقال عدة آلاف من انصار المعارضة.

وفي 2001 شهد العالم احداث 11سبتمبر، وهي مجموعة من الهجمات الارهابية شهدتها الولايات المتحدة، بعد ان تم تحويل اتجاه اربع طائرات مدنية لتصطدم بأهداف محددة نجحت في ذلك ثلاث منها. الاهداف تمثلت في برجي مركز التجارة الدولية بمنهاتن ومقر وزارة الدفاع الامريكية «البنتاجون». سقط نتيجة لهذه الاحداث 2973 ضحية و24 مفقودا، إضافة لآلاف الجرحى والمصابين بأمراض جراء استنشاق دخان الحرائق والابخرة السامة [2] . لقد كان لهذا الحدث تأثيرات كبيرة على العالم والمنطقة العربية عموما، كما أثر بصورة مباشرة على المملكة العربية السعودية، وذلك لأن معظم الذين نفذوا تلك الهجمات سعوديين «15سعودي من اصل 19». بعد ذلك الحادث صار ينظر الى المملكة بوصفها حاضن اساسي للارهاب العالمي، وصار مطلوبا منها، امريكيا على الاقل، إعادة النظر في العديد من سياساتها الداخلية، ولا سيما المتعلق منها بمناهج التعليم ورعاية بعض التيارات والتوجهات الدينية المتشدة وتمويلها ودعمها.

على خلفية احداث11سبتمر، التي شكلت انعطافة في طريقة تعاطي امريكا مع العالم الاسلام، تم غزو افغانستان واسقاط نظام طالبان. وقد مثل يوم الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 يوما فاصلا في تاريخ حركة طالبان، إذ اعتبرت الولايات المتحدة أفغانستان وحركة طالبان هدفا أوليا لانتقامها، بعد أن رفضت الحركة تسليم بن لادن لعدم تقديم الأدلة التي تثبت تورطه [3] . بعدها تحركت الولايات المتحدة سريعا للاجهاز على نظام طالبان في ذات العام الذي تعرضت له بالهجمات، وذلك بعد ان تبناها زعيم القاعدة بن لادن.

بعد اسقاط نظام طالبان، كرد فعل انتقامي، على احداث سبتمبر، شهدت المنطقة العربية حربا اخرى سميت بحرب الخليج الثالثة، والتي أدت إلى احتلال العراق عسكريا عام 2003م، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول المتحالفة معها. وبدأت عملية غزو العراق في20 مارس 2003 من قبل قوات الائتلاف بقياده الولايات المتحدة الأمريكية وأطلقت عليه تسمية ائتلاف الراغبين وكان هذا الائتلاف يختلف اختلافاً كبيرا عن الائتلاف الذي خاض حرب الخليج الثانية لأنه كان ائتلافاً صعب التشكيل واعتمد على وجود جبهات داخلية في العراق متمثلة في الشيعة في جنوب العراق بزعامة رجال الدين والأكراد في الشمال بزعامة جلال طالباني ومسعود برزاني. شكلت القوات العسكرية الأمريكية والبريطانية نسبة %98 من هذا الائتلاف. ولقد تسببت هذه الحرب بأكبر خسائر بشرية في المدنيين في تاريخ العراق وتاريخ الجيش الأمريكي في عدة عقود. انتهت الحرب رسميا في 15 ديسمبر2011 بإنزال العلم الأمريكي في بغداد وغادر آخر جندي أمريكي العراق في 18 ديسمبر 2011 [4] .

مجمل الاحداث السياسية التي حدثت في المنطقة العربية خصوصا أو في منطقة الشرق الاوسط عموما، في الثلاثة عقود الماضية، اي مابين عام 1979م الى عام2011م، أثرت سلبا على مشروعات التنمية والاصلاح السياسي، كما منحت الانظمة السياسية الفرصة الملائمة لتعزيز قوتها وتعطيل مشروعات الاصلاح، وتغييب الحريات العامة، وفي مقدمها حرية التعبير، وعدم العناية الكافية بالعدالة الاجتماعية، وحقوق الانسان، مما ساهم في زيادة مستويات الفقر والبطالة، وارتفاع معدلات الامية، وتدني الصحة العامة، وضعف البنى الاجتماعية، وشيوع الفساد المالي والاداري، وانسداد فرص تصحيح الأوضاع السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، وفشل برامج الإصلاحات الاقتصادية، وزيادة تبعية اقتصاديات البلدان العربية الاقتصادية للدول المتقدمة.

تلك الاوضاع السيئة كرست انطباعا خاطئا عن صورة الشعوب العربية، حيث صار ينظر لها بوصفها شعوبا خانعة وبليدة ومتخلفة، اي ليس لها القدرة على النهوض والخروج من واقعها المتخلف، وهي صورة مغايرة تماما لما هي عليه اليوم. ان مرد التخلف الذي عاشته الشعوب العربية راجع الى اسباب كثيرة. لعل السبب الاكثر بروزا يتمثل في تغييب الارادة الشعبية وعدم اشراكها في صناعة القرار. لذلك وجدت الشعوب العربية نفسها مضطرة للجوء الى الثورة على النظم الاستبدادية القائمة، بوصفها كانت تمثل العائق الاول امام نهضة الشعوب ورقيها ورفاهيتها.

وفيما يتعلق بآفاق التنمية والاصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فأن معظم الاقطار العربية، خصوصا في بلدان الربيع العربي، الى جانب البلدان التي عصفت بها الاحتجاجات ولازالت مستمرة فيها، كانت وقت ذاك تعيش حالة من الاحباط الشديد، وكان الامل من الانظمة القائمة في اجراء اي تغيير اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي، يسهم في تعزيز الحقوق واشراك الشعوب في صناعة القرار السياسي، كان ذلك الامل في ادنى درجاته، بل كان معدوما. وقد بات الخروج من أسر تلك المعادلة من خلال مناشدة الانطمة بالاصلاح شبه مستحيل، وكان الاعتقاد السائد آنذاك بأن الدعوات الاصلاحية، في ظل تلك النظم الاستبدادية، لم تعد مجدية. كما أن خيارات التغيير وفرص الاصلاح اصبحت محدودة جدا. في المقابل لم يكن يطرأ على بال أحد ان الثورة في مثل تلك الاجواء، خصوصا في ظل استحكام القبضة الامنية والقمع والترهيب، هي أمر وشيك الحدوث. لكن بعد نجاح الثورة في تونس ومصر، على الاقل، اصبح خيار الثورة في نظر الشعوب العربية، هو الخيار الابرز للاصلاحات الجذرية والامل الوحيد للتتغيرات العميقة التي تفضي لاحداث تحولا حقيقيا نحو الديمقراطية.

[1]  [2]  [3]  [4]  ويكيبديا، الموسوعة الحرة.
باحث في علم الاجتماع السياسي