آخر تحديث: 25 / 8 / 2019م - 8:19 م  بتوقيت مكة المكرمة

التركيز سر الإبداع الدائم

محمد الحرز صحيفة اليوم

ستيفان زفايغ في قصته الرائعة «مانديل بائع الكتب القديمة» يقدم شخصيته الرئيسية جاكوب مانديل باعتبارها الشخص الشغوف بقراءة الكتب الغاطس من وراء نظارته في عالم الكلمات البعيد كل البعد عن صخب ما يدور حوله من أحداث، حتى أنه طوال مكوثه في مقهى غلوك بمدينة فيينا حيث في حياته كلها لم يرفع نظره إلى ما يدور حوله من فرط شغفه بعالم الكتب ومكتباتها وتجارها وناشريها فقط عندما يريد أن يأكل وجباته دون أن يقوم عن طاولته. باختصار هو ببليوغرافيا تمشي على قدمين، لهذا يسميه سارد القصة عبقري الذاكرة.

شخصية بهذا الشغف سر الإبداع فيها وتميزها يكمن في مسألة واحدة هي: التركيز كما يصرح السرد بذلك، بل هو سر الإبداع على العموم. فهذا الرجل مانديل لا تربطه أي صلة بالحياة ومعارفها وأخبارها خارج حدود عالمه، وكأنه حصّن عقله ومشاعره وجسده وكل ما يتعلق به من ضروريات حياتية ضد كل شيء عدا ما يتصل بشيء وحيد هو الكتب.

مثل هذه الشخصيات نادرة الوجود في الحياة، حتى وإن وجدت، إما أنها تنسج حولها حكايات أقرب إلى الأساطير منها إلى الواقع، أو أنها تقع في مآزق لا دخل لها فيها لا من بعيد أو قريب، وهذا ما حدث للمدعو مانديل، فقد ظل يرسل رسائل بالبريد إلى ناشري الكتب في باريس ولندن يطالبهم فيها بالكتب التي دفع أجرها مسبقا ولم تصله أي نسخة منها. المسكين لم يعلم أن الحرب العالمية الثانية اشتعلت في أوروبا، وأن الحدود سيجت بأسلاك شائكة، وأن جميع الرسائل إن وجدت فإنها تصل إلى البوليس السري للفحص والتدقيق.

وهكذا وجد نفسه في معسكر اعتقال بتهمة التجسس والتخابر مع الأعداء.

إذا كان التركيز يصل بالشخصية إلى هذا الحد في القطيعة مع الواقع، فإن المبرر الأكبر لهذا التركيز هو الإبداع بالدرجة الأولى سواء كانت شخصية مانديل هنا أو غيرها من الشخصيات الأخرى التي نصادفها في عالم الرواية أو حتى واقعنا اليومي.

والإبداع هنا لا يقتصر على مجال دون آخر، بل هو الإبداع الذي يجعل الفرد متميزا على جميع الصعد والمستويات في العلم والاقتصاد والسياسة والمجتمع والثقافة والأدب. لكن السؤال الذي يعترضنا الآن: ما معنى التركيز هنا الذي يربطه ستيفان زفايغ بمفاتيح السر للإبداع عند الشخص؟

أظن - إذا ما كنت مخطئا - أنه يتحدد من خلال مسارين أولهما الوضع الاجتماعي والتاريخي والثقافي المحيط بالمبدع نفسه، وثانيهما قوة الإرادة الإبداعية وقدرتها على الإخلاص لقدرها والتضحية لأجله مهما كانت قاسية أو مؤلمة لحياة الشخص المبدع.

بالنسبة للأولى فإن المبدع عادة ما يكون خاضعا لوضع لا دخل له في صناعته أو التأثير فيه، فهو ولد أو نشأ أو تربى في وسط بيئي خارج إرادته أو في وسط فرضه عليه الظرف الاجتماعي التاريخي القائم. بحيث تجبره تلك الظروف أن يتوحد بإبداعه ويتمسك به مهما قسى عليه الزمن أو مهما تقلصت خياراته في الحياة. يتحدث - على سبيل المثال - إدوارد سعيد عن أهم كتاب يؤرخ للأدب الأوروبي ألفه صاحبه الألماني «لا يحضرني اسمه الآن» أثناء الحرب في تركيا وهو بعيد عن مصادره، مما اضطره أن يعتمد على المتاح القليل منها وعلى الذاكرة، ورغم ذلك جاء الكتاب كحدث مفصلي في تاريخ الأدب الأوروبي.

بينما البعد الآخر في إطار معنى التركيز يتمحور حول الاستعداد التام للذهاب إلى أقصى التجربة في سبيل اكتساب الخبرة الإبداعية ولا شيء غيرها، وهناك طابور كبير من المبدعين الذين جسدوا مثل هذه الحالة على مستوى العالم لا داعي لذكرهم؛ لأنهم ببساطة معروفون للكثير من القراء.