آخر تحديث: 21 / 2 / 2020م - 4:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

مجتمع المؤسسات المنعشة 10

بدر شبيب الشبيب *

في شهر مايو 2010 طالب عضو المجلس التنفيذي لمجلس الجودة السعودي المهندس عبدالله خوجة، بضرورة تطبيق مفهوم الحوكمة الشفافية والمحاسبية على جميع الجمعيات غير الربحية في المملكة، «حتى تمنع كل أشكال الفساد الإداري والمالي... وتحتجب ظاهرة شخصنة الجمعيات الأهلية»، مشيراً إلى أن تطبيق المفهوم سيعمل على تقويم عمل الجمعيات وقياس العائد الاقتصادي وإبرازه.

حديثنا اليوم عن الحوكمة، فما هي الحوكمة؟ وكيف لها أن تساهم بشكل إيجابي في رفع مستوى الأداء في المؤسسات المنعشة في المجتمع، أي المؤسسات غير الربحية كالجمعيات والمنظمات الأهلية المختلفة، والتي تشكل نواة المجتمع المدني.

في أحد المؤتمرات الذي عقد في إحدى الدول العربية حول الحوكمة بالتعاون مع مركز المشروعات الدولية الخاصة التابع للغرفة التجارية الأمريكية «cipe »، كان كثير من رجال الأعمال المشاركين في المؤتمر لم يسمعوا بهذا المصطلح، بل إن رئيس إحدى المجموعات التجارية تبرع بالحديث عن الموضوع ليخطب في الناس عن الحكمة، معتقدا أن مصطلح الحوكمة ما هو إلا الاسم الجديد للحكمة التي يفهمها على أنها الحذلقة والفطنة التي على التاجر أن يمتاز بها. دهش الحاضرون وعجز المترجم عن مغالطة الأجانب الذين كانت دهشتهم أكبر بقدرة الرجل على الخطابة في موضوع لم يفهم منه مجرد الاسم. كان الرجل يحاول أن يبدو أكثر قدرة من مقدمي الأوراق على الحديث وبلغة محلية فقد كان يرى في الحكمة كلمة فصيحة سهلة ولا داعي لمغالطة الحاضرين بإضافة حرف الواو إلى كلمة هي من صميم تراثنا الحضاري مستشهدا على ذلك بالآية الكريمة «ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا».

هكذا نحن العرب نجيد الحديث في كل شيء، حتى ذلك الذي لم نسمع عنه، أما الإنصات فهو آخر ما نحاول تطبيقه.

وحتى لا نتفلسف مع المتفلسفين، فسوف نحيل التعريف بمفهوم الحوكمة لأهله. بناء على مسح «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» OECD فإن لفظ الحوكمة «Governance» يشير إلى القيام بالإدارة الرشيدة، وقد ظهر مفهوم «الحوكمة» كجزء من ثقافة عالمية تنهض على تعزيز مشاركة الأطراف المجتمعية المختلفة مع الحكومة في صنع وتنفيذ السياسات العامة، للتعبير عن التفاعل أو المشاركة بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص لتحقيق التنمية المستدامة.

الدكتور «طارق حماد» الخبير في مفهوم الحوكمة، وصاحب كتاب حوكمة الشركاتCorporate Governance، يقول في كتابه هذا: إذا أردنا أن نختصر تعريف الحوكمة بكلمة واحد فهي باختصار «الانضباط» في كل شيء، في الأداء والسلوك والإدارة وأعمال الرقابة والمتابعة، وفي توزيع المسؤوليات وفي الالتزام في المساءلة، وفي العلاقات بين كل الأطراف المشتركة في الشركات، وفي وضع الاستراتيجيات والانضباط في المنتج والخدمة، وفي التعامل مع العملاء لكسب الرضا وتعزيز الولاء.

نعتقد بأن تطبيق مفهوم الحوكمة يساعد كثيرا على تشجيع إنشاء مؤسسات اجتماعية منعشة تكون شريكا حقيقيا في العملية التنموية. والشراكة الحقيقية تقتضي أن تكون لتلك المؤسسات شخصية اعتبارية مستقلة، أي أنها لا تخضع لهيمنة الدولة من الناحيتين المالية والإدارية. وهذا لا يعني أنها خارج سلطة الدولة، بل هي - كما هو معمول به في المجتمعات المتقدمة - تقوم بدور تكميلي تكاملي معها لخدمة الوطن والمساهمة في تنميته في كافة المجالات وتحقيق الرفاه الاجتماعي في ظل القوانين المرعية التي تكفل لها ممارسة أنشطتها بحرية تامة.

لذا فإن من الواجب التسريع بسن قوانين غير تكبيلية، تحفز القطاع الأهلي على ابتكار مؤسسات ومنظمات اجتماعية تغطي طيفا واسعا من الأنشطة والفعاليات حتى ينمو المجتمع نموا متوازنا بوتيرة متسارعة. أما التأخر في سن القوانين التشريعية للجمعيات الأهلية، أو سن قوانين غير تحفيزية، فإنه لن يصب أبدا في صالح الوطن والمواطن.