آخر تحديث: 2 / 6 / 2020م - 11:39 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ما لكم كيف تحكمون؟!

كمال بن علي آل محسن

إن عملية إصدار الأحكام عن الآخرين تتطلب الكثير من التثبت والتأكد الشخصي بصورة لا لبس فيها ولا غموض ولا شك ولا تحيز؛ حتى نستطيع أن نكون رأيا صحيحا ونصدر حكما عادلا.

ليس معنى أنه من أقاربك من الدرجة الأولى أن كل ما يقوله عن الآخرين صحيح، وأن أي اتهام يلقي به على أحد من العالمين يكون محل التصديق، فقد يكون قريبك - هذا - بمنأى عن المصداقية والأمانة، وأن ما يقوله ما هو إلا هراء ومحض افتراء وكذب وبهتان، فقد تكون المصالح الشخصية وتلميع مكانته الأسرية والاجتماعية هما الباعث له على اتهام الناس بالباطل! وأن الحقيقة والصدق إنما هما في الطرف الآخر.

إنه من الواجب عليك أن تتجه بوصلتك إلى اتجاهين اثنين وأن تختار الأصلح بينهما: فإما التثبت والتأكد وذلك بسماع الطرف الآخر لمعرفة ما حدث، أو الوقوف في موقع الحياد وعدم التدخل في الأمر باعتبار أنك لست طرفا مشاركا فيما حدث، إلا إذا كنت تريد إصلاح ذات البين، فعندها يكون التدخل محمودا بل ومطلوبا.

تكوين رأي عن الآخرين يكون بناء على تصرفات وسلوكات متكررة صدرت عنهم، وكانت هذه التصرفات وتلك السلوكات تحت مرآى ومسمع منك، عندها تستطيع أن تصدر حكما أوليا، مع مطلب آخر لا بد وأن تفعله وهو المشورة لأهل الرأي والمشورة والحكمة؛ حتى تصدر حكما نهائيا قابلا للتغيير، فقد تكون هناك أمور غائبة عنك تتضح في قادم الأيام، أو أن تفسيراتك لم تكن موفقة. فإذا كان هذا الحال وأنت الشاهد والحكم، فكيف يكون الأمر وأنت شاهد لم يرَ شيئا؟! هل لأن المصدر الناقل للخبر أو الحدث هو من أقارب الدرجة الأولى فإنه يكون قد امتلك الحصانة والغطاء الشرعي كي يقول ما يقول، ويصدر الأحكام جزافا، ونحن بدورنا نقول له: آمينا؟!

أمام الخالق سبحانه وتعالى قد تكون لدى ناقل الأحداث والأخبار حجة إن كان صادقا فيما رآه وسمعه، هذا لو سلمنا بإنه لم يفترِ ولم ينقل الحقيقة منقوصة ولم يدلس أو يبدل في الأحداث والوقائع ويجيرها لمصالحه الشخصية والدنيوية، ولكن ما حالك أنت وأنت لم ترَ شيئا؟! فهل ستجيب ربك بأنه قد تم خداعك؟! أين هو عقلك الذي سيحاسبك به الله سبحانه وتعالى؟! عقلك الذي يجعلك تفكر وتزن الأمور وتضع كل شيء في موضعه الصحيح.

إن موقفا كهذا لا أظنك تتمنى أن توضع فيه وتكون في المواجهة، وأمام مَنْ؟! أمام رب كل شيء ومليكه والذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

عليك أن تنأى بنفسك وتبعدها عن كهذا مواقف وخصوصا تلك المتعلقة بحقوق الناس، ولا تورط نفسك مع أحد بمجرد أنه قريبك أو أنك لا تريد خذلانه أو التخلي عن نصرته، فعندما يأتي يوم لا مفر منه سيفر منك فرارا لا رجعة فيه وسيتبرأ منك، فماذا أنت فاعل عندها؟!

لا بد وأن تجعل لك ميزانا خاصا بك يقيم الأمور، وبناء عليه يصدر الأحكام، وتعامل معه وفقا لما يمليه عليك ضميرك الحي، وإياك ثم إياك أن تتباهى بأحكامك وتعلنها أمام الناس، وتحاول تعميمها وإلزامهم بها، فكل له ميزانه الخاص في التعامل مع الناس، وكل مسؤول عن أحكامه وقراراته، والنتائج التي ستؤول إليها جراء تلك الأحكام والقرارات.