آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 1:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

تضخم النمط الحياتي

ياسين آل خليل

سواء كنت تدرك ذلك أم لا، تضخم نمطك الحياتي ليس بالضرورة الشيء الذي يواجهه الجميع، لهذا من المهم أن لا نُفْرط في التعميم، وأن لا نأخذ منتهى الأريحية في طرح الافتراضات، وكأن الجميع قد شرب من نفس الكأس.

ولكن، مهلا عزيزي القارئ، لماذا تستبعد حدوث هكذا أمر، وأنت ترى بأم عينك وعلى مدار الساعة، مدى التأثير الضار الذي يُحدثه التغيير المفاجئ لنمط الحياة لكثير من الناس. اليوم تحولت الأوضاع المالية للبعض إلى حالة من الفوضى العارمة التي يصعب السيطرة عليها، بعد أن أخذت مكانتها الطبيعية، لتقُود حياتهم إلى المجهول. أنا هنا لست في مقام من يضعك في حالة من الهلع، لكن آمل أن ألفت انتباهك، لتأخذ حذرك من هكذا سلوك غير مدروس، وقبل الوقوع في فخاخ ومتاهات الأزمات المالية.

التضخم في النمط الحياتي للفرد يحدث لسببان. ارتفاع دخل بعض أفراد المجتمع، هو أحد تلك الأسباب، وأقلها خطرًا، كون تلك الأفراد مقتدرة ماديًا، مما يدفعها لأن تحوّل كماليات الماضي إلى ضروريات حياتية، لا يمكنهم الاستغناء عنها. أما السبب الآخر، والأكثر خطورة، هو مقارنة الأنسان نفسه بمن حوله، ومجاراته نمط حياة ممن يفوقُونه دخلا، مما يدفعه للجوء إلى مصادر تمويلية أخرى، تمكنه من أن يعيش في مستوى طبقة لا تتناسب ودخله المتواضع.

الإغراءات لا شك أنها تثير اهتمام غالبية الناس، لكن من يتمتع بدخل مرتفع، قد يسارع ودون تفكير يذكر إلى شراء سلع أكثر تكلفة، لاستِطاعته المادية. لكن كما أسلفت لا يمكننا تعميم هذه النظرية، لأن هناك الكثير من الأفراد ممن يقعون ضمن الشريحة العالية الدخل، لكنهم يعيشون نمط حياة، هو في أحسن تقدير أقل من المتوسط. هذا بالطبع يرجع إلى تعدد واختلاف القناعات لدى الكثير من أفراد المجتمع.

المفهوم السائد بين الناس، أن أصحاب المداخيل الكبيرة، قلّ ما يحسبون مصاريفهم الروتينية لصغرها وتفاهتها. الواقع مختلف تماما عن المنظور العام، حيث أن الغني لا تفوته شاردة ولا واردة إلا ورصدها، بينما صاحب الدخل المحدود منفتح على كل الإتجاهات في مصاريفه، وهنا مربط الفرس.

التضخم في النمط الحياتي صار متداخلا في جميع الطبقات، حتى أصبح من الصعب تمييز شريحة من المجتمع عن غيرها. الناس على مختلف مداخيلهم يذهبون إلى نفس الأسواق، مآكلهم ومشاربهم متقاربة للحد الذي يصعب فيه تحديد الفوارق إن وجدت، حتى منازلهم والسيارات التي يركبونها لم تعد لها ميزة تنافسية عن ما تمتلكه الطبقة الغنية، فالتسهيلات البنكية والبطاقات الائتمانية جعلت تلك الفوارق شبه معدومة أو تكاد تكون، لعدم وضوحها الجلي للعيان.

تحولت هذه المنازلة أو المنافسة، الغير متكافئة، إلى ما يشبه الحرب التي يحاول فيها الطرف الأضعف أن ينتصر فيها لذاته، التي ترى في عيش الآخرين ميزة طبقية تجعلهم يتفوقون عليه، ولو كان كل ذلك هو من قبيل الخيال الذهني الذي لا يبني فكرًا ولا يخلق حياة متوازنة تقودها الحكمة والرؤية الواضحة.

حرب اقتصادية كهذه من المتوقع أن لا يخرج أحدا منها منتصرا إلا البنوك والتجار الذين يتحكمون في نفسيات البشر، ويلعبون على وتر رغبات المستهلك لا حاجاته. هذا من شأنه أن يرفع من وتيرة التضخم لحياة الإنسان ونمطية عيشه، والتي لا توحي بأن الوعي الجمعي آخذ في النضج في المستقبل القريب.

كيف لهذا الوعي أن يتحقق، ليتمكن المجتمع من وضع حد لهذه الآفة الخطيرة من أن تتسلل للأجيال المقبلة، وتأكل الأخضر واليابس؟ قضية تستحق البحث من حملة العلم والمعرفة وخطباء المنبر، لتسليط الضوء عليها ونشر الوعي المالي وثقافة العيش الكريم بين أفراد المجتمع.