آخر تحديث: 22 / 9 / 2020م - 1:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

مجتمع المؤسسات المنعشة 12

بدر شبيب الشبيب *

عندما تتصفح موقع www.charitynavigator.org ستكتشف أهمية الإدارة الرشيدة في الحياة المعاصرة في كل المجالات ولكل القطاعات، رغم أن الموقع يهتم كما يظهر من اسمه بالقطاع الخيري ومؤسساته، غير أنه مثال واحد لتجذر الإدارة الرشيدة القائمة على الحقائق والأرقام في المجتمعات المتقدمة. فمن أراد التبرع لمؤسسة خيرية مثلا فإنه يستطيع معرفة المؤسسات العشر الأولى الأفضل لتبرعه، حيث توجد معايير معينة من خلالها يكون التفاضل بين المؤسسات. وتنضوي المعايير تحت معيارين أساسيين هما: الأول هو المصداقية والشفافية Accountability & Transparency والثاني هو الأداء المالي Financial Performance. وتحت كل من هذين المعيارين معايير فرعية قابلة للقياس، أي ليست عشوائية أو اعتباطية أو مزاجية. للأداء المالي مثلا سبعة مقاييس تغطي الإيرادات والمصروفات ومدى فعاليتهما. وللمصداقية والشفافية سبعة عشر مقياسا تشمل استقلالية انتخاب أعضاء مجلس الإدارة والتدقيق المالي المحاسبي وعدم تضارب المصالح وغيرها.

لو أخذنا على سبيل المثال منظمة أطباء بلا حدود Doctors Without Borders، USA وهي منظمة عالمية تعنى بتقديم الخدمات الإغاثية على مستوى العالم، سنجد أنها حققت وفق التقرير الحالي «نحن الآن في 2012» المركز الثالث حيث سجلت 64.44 نقطة من 70 نقطة.

نحن نعلم أن التقدم حزمة متكاملة تقوم على عناصر محددة، على رأسها الإدارة الرشيدة، وليس الإدارة بالبركة، كما هو الحال عندنا. لا يمكن لمجتمعنا أن يتقدم للأمام وهو يعتمد مبدأ: «مشي حالك» في كل شيء، فالحال حتى إذا استجاب مكرها لنا فإنه لن يمشي وفق نوايانا أو أمزجتنا، بل سيمشي وفق مزاجه هو، أي على غير هدى من تخطيط أو استراتيجية. والنتيجة معلومة، «النتيجة فتاكة» كما تقول دعاية إحدى المبيدات الحشرية.

قلنا في المقال السابق: إن من الضروري أن تجسد الجمعيات الأهلية هيكلياً في بنيتها المؤسسية القيم والاتجاهات التي تنطوي عليها الحوكمة، وهي القيم التي يمكن تحديدها في الآتي: القدرة على توفير التمويل، الديمقراطية الداخلية، المساءلة والشفافية، والتمكين «أي تعزيز قدرات الأفراد» والاهتمام بتنمية الموارد البشرية.

وفي هذا المقال تفصيل ذاك الإجمال.

1 - القدرة على توفير التمويل:

تعاني كثير من مشاريعنا الاجتماعية من عدم القدرة على توفير السيولة الكافية لمواجهة احتياجاتها ومتطلباتها، وذلك ناتج غالبا عن سوء التخطيط المالي والإداري والإعلامي. يضاف لذلك قلة الوعي الاجتماعي بأهمية المشاريع المستحدثة. فالناس يقبلون على التبرع لبناء مسجد أو كفالة يتيم أو لتشييد مؤسسة قرآنية أو لعلاج مريض وغير ذلك من الأعمال الخيرية الواضحة الأثر والمذكورة في النصوص الدينية. أما التبرع للمؤسسات التي تستثمر في الإنسان استثمارا طويل المدى، أي ذات العوائد المتأخرة وغير المرئية في المدى المنظور، فإن الأمر سيكون مختلفا. فلو أرادت مؤسسة خيرية إنشاء معهد خيري للتدريب، أو تقديم منح دراسية لطلاب الدراسات العليا أو تأسيس جائزة في مجال الثقافة والأدب والكتابة والكتاب، فإنها لن تحصل على الدعم المطلوب.

كما أن استمرار التمويل ينبغي أن يحتل أولوية قصوى عند القائمين على المؤسسات الخيرية والجمعيات الأهلية بما يضمن عائدا لا ينقطع مع استقلالية في القرار. ويمكن ذلك عن طريق المشاريع الاستثمارية والأوقاف التي تخصص عوائدها لأنشطة تلك المؤسسات والجمعيات.

أود هنا أن أشيد بتجربة رائدة في قريتي، حيث قامت جمعية أم الحمام الخيرية بإنشاء أكثر من مشروع استثماري لتمويل أنشطتها، ولقي ذلك صدى طيبا على المستويين الرسمي والشعبي.

2 - الديمقراطية الداخلية:

وتتحقق من خلال تغيير قادة المؤسسة أو الجمعية بواسطة انتخابات حرة نزيهة تنافسية، ومشاركة الأعضاء في صنع القرارات ومشاركة المرأة، وغير ذلك.

3 - المساءلة والشفافية:

«وتعني المساءلة قيام القيادات داخل الجمعية بتقديم كشف حساب عن طبيعة أدائها لواجباتها إلى عدة جهات هي الحكومة والمستفيدين والممولين والأعضاء، أما الشفافية فتعني حرية الإطلاع على مفردات سير العمل داخل الجمعية والوصول إلى البيانات التي تتناول نشاطها ومصادر تمويلها وعلاقاتها بالمانحين والحكومة والجمعيات الأخرى».

4 - التمكين:

ونعني به تعزيز قدرات الأفراد وصلاحياتهم ومهاراتهم، ليكونوا قادرين على ممارسة أقصى قدر ممكن من الثقة والاعتمادية، مع تحمل المسؤولية.

الموضوع يحتاج لتفصيل أكبر، لكن نكتفي بهذا القدر بالنسبة للجمعيات الأهلية كإضاءات في طريق مجتمع المؤسسات المنعشة.