آخر تحديث: 10 / 12 / 2019م - 1:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

بائعة جازان وأخلاق الشباب

علي جعفر الشريمي صحيفة الوطن

سادت حالة من التذمر والاستياء الشديدين بين مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، بعد انتشار مقاطع فيديو، الأول يظهر فيه تعرض بائعة سعودية للاعتداء من قبل مجموعة من الشباب في مدينة جازان، استولوا على مجموعة من الألعاب الإلكترونية التي تقوم بتأجيرها، وطاردتهم السيدة بالحديقة، وتطوّر الأمر إلى اشتباك بالأيدي. والثاني لشابين سعوديين يوقفان سيارة تقودها فتاة في أحد الشوارع بالمملكة.

مثل هذه الأخبار يجب ألا تمر مرور الكرام، مشاكل السرقة والاعتداء تستدعي منا نظرة متعمقة لتلك الأسس التي يقوم عليها مجتمعنا، ما هي الأسباب؟ ما العوامل المؤثرة فيها؟ كيف تعمل ضمائرنا؟ أين هي قيمنا الأخلاقية؟ ما أولوياتنا؟ تلك وغيرها من الأسئلة السارية في الاتجاه ذاته، تلح علينا بحاجتها لأجوبة نفهم من خلالها تركيبة مجتمعنا، وبالتالي نوعية مشاكله والطرق المثلى لحلها.

إنها سلوكيات غريبة، خاصة ونحن مجتمعات متدينة ليكون السؤال: هل هناك فرق بين الأخلاق والتدين؟ هل يمكن أن يصبح المجتمع متدينا وغير أخلاقي في الحال ذاتها؟ في الحقيقة لا يتنافى الدين والأخلاق، فالدين أتى «ليتمم مكارمها» وإن لم يخترعها، فالأخلاق تسبق الأديان بأزمان طويلة، فمنذ أن ظهر الإنسان وهو في صراعات حب البقاء مع غيره من المخلوقات، حتى توصل إلى صياغة منظومة أخلاقية، تحدد العلاقة فيها بينه وبين غيره من البشر حتى يستطيع أن يعيش ويترك لغيره الفرصة في العيش. بعدها ظهرت الأديان، هادفة إلى ترتيب العلاقة بين البشر قبل ترتيبها مع الخالق، إلا أن الكثير من هؤلاء البشر جعل الأديان في كفة والأخلاق في كفة أخرى، بل وبعضهم استخدم الأديان ليبرر تخليه عن الأخلاق، وليشرعن فساده وطغيانه.

ليس ذلك غريباً، فالصور المصغرة تتوالى علينا يوميا في حيواتنا، ناس تذهب للبقالات والمطاعم، توقف سياراتها في منتصف الطريق، تعطل السير وتضخم الزحام، وناس تتعدى على بعضها في الطوابير، كل هؤلاء متدينون ويتزاحمون على المساجد وقت الصلاة.

لا بد هنا أن نعترف أن هذه الأخطاء الأخلاقية الفادحة ما هي إلا نتاج ثقافة مجتمعية تفرق بين الدين والأخلاق، فعلى المستوى الاجتماعي وعند ظهور مشكلة ما - مثل المشاكل التي ذكرناها سابقا - دائماً هناك قريب أو صديق يعرف أحداً، والذي بدوره يعرف آخر ليخرج المتورط من ورطته. وهكذا خلقنا خنادق من العلاقات الاجتماعية المعقدة، نقضي فيها معاملاتنا ونسير حاجاتنا، ونسرق فرصنا من أفواه غيرنا. كلنا تعلمنا النزول لهذه الخنادق، كلنا فعلنا في وقت أو آخر، حتى تأسس النهج وأصبح معتاداً مقبولاً، وهكذا كبر الصغار في هذه الخنادق، وفهموا أن حلول مشاكلهم كلها في أروقتها.

أصبح عندنا التدين مجرد هوية يستخدمها الناس ليتحرروا من الأخلاق، ليبرروا سلوكياتهم وتصرفاتهم ويشرعنوا رغباتهم، يلبسون رداء الدين من الخارج، دون أي غطاء داخلي من الأخلاق والإنسانية، فيغدون عراة حتى وهم ملفوفون بالقماش. من الأهمية بمكان أن تلتفت وزارة التعليم لتأصيل القيم الأخلاقية في المناهج التربوية، واستحداث مقرر «الأخلاق» لنعالج مثل هذه الاعتداءات والتصرفات الشبابية غير المسؤولة ونقتلعها من جذورها.

أخيرا أقول: ليس كافياً أبدا أن تكون مؤمناً ومتديناً، وأنت مفرغ من الأخلاق، لا بد للأخلاق أن تتوازى مع الإيمان.